الرئيسية / مقالات / أزمة حق المواطنة الليبية //أنس الفقي
33-1

أزمة حق المواطنة الليبية //أنس الفقي

” اللهم رب السموات السبع و رب الأرضيين السبع أن تجعل كل من حفر لليبيا حفرة يكون مغلاقها رأسه ” الرايس درغوت

الكثيرون يشيرون إلى أن السلطة الحاكمة في ليبيا كانت في الغالب سلطة أجنبية حتى خلال فترة  المملكة السنوسية نظرا لأصول الملك إدريس السنوسي الجزائرية، و هو ما ينطبق أيضا على فترة حكم القذافي نظرا لأصوله اليهودية حسب ما يشير أولئك الكثيرون..!

فرضية أن حقبة المملكة الليبية فترة حكم أجنبية غير وطنية نظرا لأصول الملك إدريس السنوسي الجزائرية تقبل في حالة واحدة فقط هي قبول المتخصصين لفرضية أن  انكلترا تحكمها عائلة أجنبية غير انجليزية نظرا لأصول الملكة إليزابيت ملكة بريطانيا الألمانية، والمعروف أن العائلة المالكة الانجليزية تخلت عن لقب العائلة الألماني” ساكس – كوبرغ وغوتا” واختارت بدلا عنه لقبا انجليزيا للعائلة وهو لقب ” Windsor ” لتعبير عن انتماء العائلة المالكة انجلترا لوطنها انكلترا ضد ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918).

و زوج الملكة إليزابيث الأمير فيليب الذي ولد يونانيا، قاتل في صفوف الجيش الانجليزي في الحرب العالمية الثانية، و تخلى عن ألقابه الملكية اليونانية و الدنمركية، وصار مواطنا بريطانيا، ابنه الأمير تشارلز ولي العهد الحالي لبريطانيا سيتوج ملكا لعرش بريطانيا دون أي تشكيك في مواطنته البريطانية، ما ينطبق على الملكة إليزابيث ينطبق على العائلة المالكة الاسبانية التي ترجع أصولها إلى فرنسا، وينطبق ذلك أيضا على نابليون بونابرت إمبراطور فرنسا الذي ولد قبل خمسة عشر شهر من احتلال فرنسا لوطنه الأصلي جزيرة كورسيكا، و قد تعلم نابليون اللغة الفرنسية بالمدارس الفرنسية. نابليون كان وطنيا كورسيكا متطرفا يمقت الاحتلال الفرنسي لكورسيكا قبل أن يتحول بعد ذلك إلى بطل وطني في فرنسا، كذلك ثمانية من رؤساء والأباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية كانوا يتمتعون بصفة مواطن بريطاني قبل استقلال أمريكيا، أيضا الحبيب بورقيبة الرئيس السابق للجمهورية التونسية والباهي الأدغم الوزير الأول التونسي السابق هما من أصول ليبية، فهل هذا يعني أن دول فرنسا وبريطانيا واسبانيا والولايات المتحدة وتونس حكمت من قبل سلطة أجنبية؟ كل هذه العائلات والشخصيات التاريخية المذكورة بالأعلى أثرت بشكل كبير في تطور الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في أوطانها الجديدة، وهذا ما ينطبق على أفراد من العائلة السنوسية وتأثيرهم واضح، ساعد على تطور الحياة الاجتماعية و السياسية في ليبيا، فمن خلال المصالحات القبلية التي عقدها مؤسس العائلة السنوسية محمد بن على السنوسي في المنطقة الغربية أولا بعد الفوضى التي عاشتها ليبيا بعد الحرب الأهلية القرمانلية الليبية الثانية ( 1831- 1835)، ومصالحات قبلية أخرى فيما بعد بالمنطقة الشرقية، ساعدت تلك المصالحات على تقوية وتمتين النسيج الاجتماعي الليبي،و ساعدت كذلك على التقليل من حدة الخصومات والثارات والكراهية القديمة بين القبائل الليبية، وثمار هذه المصالحات الاجتماعية ظهرت بشكل جلي خلال مقاومة أحمد الشريف إبن العائلة السنوسية الليبي المواطنة- الجزائري الأصل ضد الاستعمار الايطالي، حيث بايعت أغلب الصفوف القبلية الليبية أحمد الشريف لقيادة المقاومة الليبية في تطور جديد بالحياة السياسية الليبية. هذا وغيره من الأمثلة التاريخية يدل على الدور الكبير لأفراد من العائلة السنوسية في تطور الحياة السياسية والاجتماعية الليبية وهذا ما ينطبق على عائلة “السني” الليبية المواطنة، وذات الأصول السودانية.

و فيما يخص أصول العقيد القذافي، فهو معمر محمد احميد بومنيار وينتمي إلى قبيلة القذاذفة الليبية، والأقاويل والإشاعات التي تناولت أصوله هي مجرد أكاذيب ملفقة في إطار الحرب الإعلامية،وخطاب الكراهية التي اتبعته المعارضة الليبية للتقليص من شعبية القذافي لدى الرأي العام، وقد أثبت كاتب هذه السطور في مقال سابق بعنوان “أزمة المثقف الليبي في أوراق الموساد المخفية” مدى حجم الفبركة والتدليس في تلك الكتابات، وهذا يدحض آراء الكثيرون عن أجنبية السلطة الحاكمة حقبة سواء في الحقبة الملكية أو سواء في حقبة الجماهيرية.

حين نشير إلى أولئك الكثيرون، من نقصد بذلك؟ هل هم المختصون أو غير ذلك؟

أزمة حق المواطنة الليبية هي واحدة من القضايا التي تتعلق بالهوية الوطنية الليبية، وتركها دون تشخيص ولا معالجة يجعل القضية مبتورة و ناقصة، مع ذلك فالمحرك الرئيسي لفرضية السلطة الأجنبية الحاكمة لليبيا والتشكيك في مواطنة بعض الليبيين حسب ما جاء ناتجة من وحي خيال الثقافة الشعبية السائدة، والحق فإن ليس كل ما جاء في أدبيات الثقافة الشعبية حقيقة ثابتة، بل إن جزء كبير مما تحمله الثقافة الشعبية مبني على أقاويل وإشاعات وأكاذيب تواترت خلال وبعد فترة الصراعات القبلية والحروب الأهلية التي عاشتها ليبيا. ثم تشكيك الثقافة الشعبية في حق مواطنة الليبية تجاه مكون قبلي أو عائلي ليبي لا يجوز أخدها على أنها مسائلة ظرفية عابرة ستمر مرور الكرام، فخطورة مثل هكذا أقاويل تكمن في تهديدها بتفتيت النسيج الاجتماعي، والسلم الأهلي، وتحريكها لنزعة الانفصال، وتسببها في إشعال الحروب الأهلية، لذلك تعتبر أزمة حق المواطنة الليبية على رأس أولويات القضايا التي من الواجب نقاشها حماية للأمن الوطني الليبي، ولتشخيص أدق لأزمة المواطنة سأختار لكم شخصية تاريخية معروفة عاشت في ليبيا كعينة لدحض فرضية أجنبية السلطة الحاكمة، وأيضا لتحديد من هو المواطن الليبي؟ على سبيل العينة، الرايس درغوت، الشخصية التاريخية التي أثر ظهوره في مجريات الحياة الليبية هل هو شخصية ليبية وطنية أم مجرد مغامر وقرصان يوناني حذفت به الصراعات والنزاعات الدولية إلى ليبيا وانتهى به الأمر فجأة بقبر بجوار باب بحر بالمدينة القديمة – طرابلس؟

الرايس درغوت لم يحرر العاصمة الليبية طرابلس -عاصمة الدولة الليبية فيما بعد سنة 1551م- من هيمنة حكم منظمة الفرسان القديس يوحنا الدينية وحسب، بل حرر طرابلس من هيمنة ثقافة أوروبية أجنبية، فالهدف من وراء احتلال اسبانيا  لطرابلس هو تغيير في الديموغرافيا السكانية في ليبيا وهو ما تؤكده رسالة فرديناند ملك اسبانيا إلى قائد أسطوله البحري “بيترو دي نافارا ” قبل احتلال طرابلس بفترة وجيزة:-

” فإنه يتحتم علينا أن نحتل مدن وهران وبجاية وطرابلس وفي حالة احتلالنا لهذه الأخيرة يتوجب علينا بتعميرها برمتها بالنصارى “.

لم يكتفي درغوت بتحرير طرابلس من الهيمنة الثقافية الاسبانية فقط، درغوت قاد عملية تعمير عاصمة طرابلس من جديد، وتحصينها ضد خطر الهجمات الاسبانية، و قاد درغوت عملية توطين عائلات من بين أفرادها مجموعة الحرفيين و الفلاحين استقدمها من مدينة صفاقس التونسية لإحياء العاصمة طرابلس من جديد، وهذه المعلومة التاريخية تكشف لنا عن حقيقة دور الرايس درغوت الوطني لتأسيس عاصمة الدولة الليبية فيما بعد، وتكشف لنا هذه المعلومة التاريخية أن أصول عدد من عائلات طرابلس العريقة هي من أصول تونسية فهل هم أيضا غير ليبيون؟ أيضا درغوت قاد عدة مواجهات عسكرية بحرية ضد تحالفات الأوروبية لاستعادت طرابلس إلى السيادة الاسبانية و قتل الرايس درغوت دفاعا عن ليبيا في حصار مالطا سنة 1565م و كانت آخر كلماته في لحظاته الأخيرة.

” اللهم رب السموات الأرض السبع و رب الأرضيين السبع أن تجعل كل من حفر لليبيا حفرة يكون مغلقاها رأسه ”

و تعتبر هذه المقولة المنسوبة للرايس درغوت من أوائل المقولات التي تصلنا وتنادي بالهوية الوطنية الليبية في تاريخنا الحديث فهل درغوت شخصية وطنية ليبية أم مازال مجرد حاكم أجنبي؟

قد لا يتقبل البعض مثل هكذا استدلال نتيجة  تبعية درغوت للسلطنة التركية، ومرد هذه التبعية إلى أن ليبيا في تلك الفترة كانت تتشكل من جديد، و هذا واضح عند الإشارة إلى تعمير درغوت للعاصمة طرابلس واستقدامه للسكان من صفاقس لإحياء العاصمة الليبية طرابلس، وأيضا لا ننس أن الصراع العسكري الديني الجاري بين ضفتي البحر المتوسط في تلك الحقبة كان له أثره في الاصطفاف و التحالف مع الأتراك لوقف التمدد الثقافي الأوروبي القوي هذه المرة خصوصا بعد اكتشاف العالم الجديد الذي ساعد دولة كاسبانيا في استثمار ثروات العالم الجديد للتحشيد لحروب دينية بتكاليف أقل، مع هذا، فالتبعية إلى تركيا أخذت تتقلص تدريجيا مع مرور الزمن وصولا إلى فترة حكم المملكة القرمانلية (1711-1835) حيث نجد يوسف القرمانلي الشخصية البارزة في تاريخ ليبيا وهو من أصول تركية خلال الحرب الأهلية الليبية القرمانلية الثانية ( 1831- 1835) يفند مزاعم بعض الباحثين الليبيين من عدم توفر هوية وطنية ليبية قبل سنة 1951م، وتبرز كلمات يوسف الوجيزة على وجود روح وطنية ومناشدة للإصلاح وتطوير الحياة السياسية والاقتصادية الليبية حيث يقول يوسف القرمانلي التالي:-

” في السابق كنت قد طلبت من المواطنين المبالغ التي في هذه الورقة. والآن أسحب طلبي، وأرجو منكم الصفح وقبول اعتذاري، ولكنني أناشدكم العمل معي على إنقاد الوطن. إني أعتبر نفسي واحد منكم، ولا أشعر بأن من حقي أن أطلب أي امتياز عليكم. إنها مصيبة حلت بنا . الله معنا ”

كنتيجة فإن الأمثلة التاريخية الأخيرة تؤكد على حقيقة تشكل ليبيا من جديد مع بداية القرن السادس عشر الميلادي وانصهرت مجموعة من ذوى الأصول التركية داخل مكون قبلي أطلق عليه فيما بعد بقبيلة “الكراغله” واندمجت مع الليبيين، و تكيف هذا المكون القبلي الجديد بشكل سلس مع البيئة الليبية فيما يتعلق باللهجة المحكية والعادات والتقاليد، وهي  ظروف لم تتوفر فيما يبدو للطائفة التركمانية بالعراق،واستمر هذا الانصهار يمتد ببطء خلال 150 سنة بعد إجلاء فرسان القديس يوحنا من طرابلس سنة 1551م، والمعروف تاريخيا أن المكون القبلي للكراغله يضم مكونات قبلية ليبية أخرى، وهذه الاندماجات ناتجة عن تغيير التحالفات والولاءات والتي تزداد وثيرتها مع زيادة الاحتقانات والصراعات القبلية، ويشير شارل فيرو القنصل الفرنسي إلى انصهار الكراغله بالبيئة الليبية في كتابه “الحوليات الليبية” عند الحديث عن انصهار العائلة القرمانليه بالمجتمع الليبي، فلم يبق حسب قوله للعائلة القرمانلية من صفة أجنبية سوى اللقب التركي فقط، و يتضح من رسالة غومة المحمودي الزعيم القبلي المعروف ومجموعة من المشائخ والأعيان إلى السلطان العثماني بعد الاحتلال التركي لليبيا (1835- 1911) يطلبون فيها تعيين والي ليبي عليهم عن حقيقة انصهار العائلة القرمانلية وغيرها من العائلات المنتمية لقبيلة الكراغله في المجتمع الليبي حيث تنص هذه الفقرة من الرسالة على التالي:-

” فالمأمول من خصلكم العلي أن يكون تعين الباشا من هو الأحق بها من قديم الزمان وخدامها سلفا عن خلف وهو عربي من جنسنا من البايات من السادات القرمانليين لأنهم يعرفوننا ونعرفوهم ويعلمون طبائعنا و يسوسونا طبقا لإرادتكم العلية”

حين تقرأ رسالة الشيخ غومة المحمودي بأن العائلة القرمانلية من جنسنا، فهذا يؤكد فكرة قبول أعيان ومشائخ المجتمع الليبي بحق المواطنة الليبية للعائلة القرمانلية، وحين تحدد الرسالة جنسنا بالعربي فهي بالطبع ليست متأثرة بالتيارات الأيدلوجية القومية التي انتشرت فيما بعد بالقرن العشرين، فحقيقة أصول العائلة القرمانلية التركية ليست خافية على أحد، و لكن ما تقصده كلمة “جنسنا” أن العائلة القرمانلية عائلة ليبية صرفة، تملك جميع حقوق المواطنة الليبية. الأمثلة التاريخية عن انتماء العائلة القرمانلية التي تنتمي إلى قبيلة الكراغله لا تتوقف عند هذا الحد، فالضابط إبراهيم القرمانلي استشهد في معركة عين زاره ضد الاحتلال الايطالي، و قد استشهد العديد من الشخصيات المحسوبة على قبيلة الكراغله مثل الشيخ أحمد المنقوش قائد محلة مصراته شهيد معركة الهاني 26 أكتوبر 1911م، والشهيد محمد الشركسي قائد “دور البراعصة” خلال فترة مقاومة عمر المختار بالجبل الأخضر (1924-1931) وكذلك الضابط على فائق امسيك شهيد معركة المرقب سنة 1912م، ومن قبيلة الكراغله برز العديد من الشخصيات المقاومة مثل الشيخ مختار كعبار والضابط زكي امقيق و محمد فرحات الزاوي، ولا ننس في هذا الصدد الدور الوطني لسعدون السويحلي ابن قبيلة الكراغلة في قيادة المقاومة الليبية بالمنطقة الوسطي ضد الاحتلال الايطالي. والمحادثة بين سعدون السويحلي والضابط الايطالي التي سجلها الشيخ الطاهر الزاوي في كتابه “جهاد الأبطال بطرابلس الغرب” تمنحنا دليلا صريحا على انتماء سعدون السويحلي الوطني حيث يذكر الزاوي :-

” كتب القائد الايطالي إلى سعدون يقول له: إنك لم تقف عند الحد الذي اتفقنا عليه واحتللت أمكنة كانت لنا. فرد عليه سعدون بقوله: إننا لا نعلم هذه الأمكنة التي تدعيها لنفسك، فإن كل ما تدعيه في البحر والبر والجو هو لنا. فرد عليه القائد: ما أدعيته لنفسك هو لنا، و لو حفرت تحت أقدامك لوجدت عظام أجدادنا. فرد عليه سعدون: إن مجيء أجدادك إلى هذا الوطن كان اعتداء على سكانه و كذلك مجيئك أنت كان اعتداء علينا “.

الثقافة الشعبية السائدة تروج إلى أن الصراع في الواقعة المعروفة شعبيا بــ ” زيتونة بايع راسه” في بداية الحرب الأهلية الليبية القرمانلية الثانية (1831- 1835) على أنه صراع بين الأتراك (قبيلة الكراغلة) والعرب (الصف الفوقي) بقيادة الزعيم القبلي عبد الجليل سيف النصر، وفي أوقات أخرى تروج له على إنه صراع بين البدو والحضر. تناقض الثقافة الشعبية دليل على أن قراءاتها للأحداث لا يسير وفق ضوابط علمية، وللأسف فإن بعض المتخصصين يروجون لمثل هكذا مغالطات فرضتها عليهم الثقافة الشعبية السائدة، بينما تؤكد الوثائق التاريخية عن تردد الكراغله في مواجهة قبائل الصف الفوقي بموقعة “زيتونة بايع راسه” بسبب تصادف توقيت المواجهات مع بداية موسم الحرث، وكانت الكراغله تخاف من إن إطالة عمر المواجهات قد تعطل الموسم الزراعي الجديد، تردد الكراغلة و إصرارهم على وقف المواجهة كان واحدا من الأسباب في عدم تمكن الحكومة القرمانلية من القضاء على تمرد عبدالجليل سيف النصر. كما أن عبدالجليل سيف النصر زعيم الصف الفوقي كان في حلف مع قبيلتي المقاوبة و الفراطسة و هما قبيلتان تنتميان لقبائل الكراغله بمصراته، و هذا يدحض ما تروج له الثقافة الشعبية السائدة على أن الصراع كان تركي – عربي، أو بدوي – حضري. زيادة على ذلك، فإن قبائل الساحل وترهونة مع الكراغله شاركت الحكومة القرمانلية في الموقعة “زيتونة بايع رأسه ” ضد الصف الفوقي، و قبائل الساحل و ترهونة ليسوا من الكراغله، كما رفض غومة المحمودي زعيم ” صف أولاد المرموري ” و هو المحسوب على البدو طلب عبد الجليل سيف النصر المحسوب أيضا على البدو الانضمام للتمرد ضد الحكومة في طرابلس. و مما يؤكد على أن الصراع هو صراع (أمراء حرب) محض، انضمام الزعيم القبلي عبد الجليل سيف النصر في أواخر الحرب الأهلية الليبية القرمانلية الثانية (1831-1835) إلى صف الكراغله تحت قيادة البك “محمد القرمانلي” الثائر ضد جده “يوسف القرمانلي”، وحسب ما يذكر د. كولا فولايان فإن البك “محمد القرمانلي” قد عين زعيم الصف الفوقي عبد الجليل سيف النصر واليا على فزان، فيما عين “محمد ابرهيم بيت المال” من زعامات قبيلة الكراغله رئيسا لحكومته، القارئ لأحداث تلك الفترة يدرك أن الصراع العسكري خلال الحرب الأهلية الليبية القرمانلية الثانية (1831-1835) كان صراع تتغير فيه التحالفات بتغير مصالح أمراء الحرب، والمثل الشعبي الليبي القائل “الضرب للمحاميد والصيد لغومه” يفسر حقيقة مسار صراع الزعامات في السابق والحاضر، و بهكذا نتيجة ربما سيتفق القارئ معنا أننا نحن الليبيون ومنذ أربعمائة عام من تشكل ليبيا الجديد و حتى الآن -2017م – نعيد ارتكاب نفس  الأخطاء و بنفس الطريقة وهو ما يذكرني بالمثل الشائع عن تكرار نفس التجربة وبنفس الخطوات وانتظار نتائج مختلفة..!

و حين  نستعين بالمثل الشعبي “الضرب للمحاميد والصيد لغومة” المنتمي للثقافة الشعبية الليبية السائدة، والذي يؤرخ لحقبة الحرب الأهلية الليبية القرمانلية الثانية (1831- 1835) وبداية الاحتلال التركي (1835- 1911) فهذا يؤكد بأننا لسنا ضد الموروث والثقافة الشعبية بالمجمل، ولكن مع تصفيتها من المغالطات التاريخية والتقييمات الانتقائية العالقة بها.

من جديد و في صلب الموضوع، عينة أخرى لدحض فرضية حق المواطنة الليبية على أسس عرقية وعن طريق الأقدمية و-التي تداولتها الثقافة الشعبية- يكمن في قراءة سيرة حياة المجاهد الليبي “يوسف المسلماني”، فيوسف المسلماني كان جندي ايطالي اسمه “كرميني يوريو جوسيبي” أسره المجاهدين الليبيين في السنوات الأولى للاحتلال الايطالي بالجبل الأخضر، أسلم وتزوج من قبيلة المجابرة، وشارك الليبيين في مقاومة الاحتلال الايطالي، قبض عليه وأعدم شنقا بتهمة الخيانة عند احتلال الطليان لجالو سنة 1928م، وحسب ما يذكر فإن أحفاد “يوسف المسلماني” يقيمون حاليا في مدينة بنغازي وهم يحملون الجنسية الليبية، وهذا المثال ينطبق على المجاهد عصمان الشامي من الأردن ، والمجاهد على امبارك اليمني من اليمن، فهل نشكك في المواطنة الليبية لكل هؤلاء؟

الكتابة عن أزمة حق المواطنة الليبية ليست للدفاع عن مكون قبلي ليبي بعينه، أو دفاعا عن عائلة ليبية بعينها، الكتابة عن أزمة حق المواطنة الليبية يدخل في إطار التقليل من خطاب الكراهية بين الليبيين و ليس الغاية منه التقليد الأعمى لأنشطة جمعيات حقوق الإنسان الدولية بقدر ما هو تخوف من الخطورة التي يسببها خطاب الكراهية من تخوين، ونعت قبائل، وعائلات ليبية بنعوت نابية وتصنيف مكونات قبلية ليبية على أنها ليست ليبية ينتج عنه عزلة المكون القبلي والمكون العائلي الليبي، مما يجعله يتحول إلى أقلية عرقية، وإما يفرز عنه خطاب كراهية مضاد للمكونات القبلية الليبية الأخرى، وأيا كانت الوضعية الناتجة  فذلك سيمنح الدول الأجنبية الفرصة بالتأكيد للتدخل في الشأن الداخلي الوطني الليبي بدعاوي حماية حقوق الأقليات، فتفرض من خلالها أجندات و تكسبهم نفوذ سياسي وامتيازات اقتصادية وتهدد استقلالنا ووحدتنا الوطنية. إذا نجحنا في تصفية الثقافة الشعبية من المغالطات التاريخية تجاه المكون القبلي الليبي للكراغله يمكننا أيضا استخدام نفس المعيار في تصفية الثقافة الشعبية من المغالطات التاريخية تجاه المكون القبلي للجباليه، و سيكشف عن وجود قواسم مشتركة كبيرة بين جميع المكونات القبلية الليبية. قد يستهجن البعض مصطلح المكون القبلي الذي يتكرر بالمقال، و الذي يمنح  القبيلة فرصة كبيرة من جديد في إزكاء روح التعصب والجهوية، والتي ستؤثر سلبا نحو تشكيل هوية وطنية ليبية جامعة. قد يكون الاستهجان مبررا في تلك الحالة، لكن اللجوء إلى المكون القبلي سيكون تأثيره السلبي أقل بكتير من ملء الفراغ بوهم التيارات القومية (العروبية- الأمازيغية ) التي ستزيد من حدة التطرف العنصري ،وانتشار خطاب الكراهية بين الليبيين،ثم أن الآثار السلبية عند بروز المكون القبلي هذه المرة ستكون ضعيفة وفي حالة تأسيس لأكثر من تجمع لتيار سياسي وطني قوي وحقيقي. في تلك الحالة سيكون دور الفعاليات المؤهلة للمكون القبلي منحصر في المحافظة على  ثوابت الوحدة الوطنية وتحقيق  السلم الأهلي، ومحاربة الرذيلة، والتطرف الديني، ونبذ خطاب الكراهية، وهذا ما سنتناوله عند الحديث عن أزمة  توحيد القيادة السياسية الليبية في مقال لاحق.

قد يكون في تصفية ثقافتنا الشعبية من المغالطات التاريخية والآراء الانتقائية علاج يحد من  خطاب الكراهية. كذلك مكافحة خطاب الكراهية من الجانب التربوي، والجانب القانوني بفرض عقوبات جنائية ستكون معالجة تساهم من تقليص الانقسام بين الليبيين وتساهم في تحقيق المصالحة والوحدة الكيان الليبي، مع أن عدد من الباحثين الليبيين يشيرون إلى هشاشة الكيان الليبي، ويفترضون أن الوحدة الوطنية الليبية الجامعة لم تتشكل بعد، وربما فيما يذكره هؤلاء الباحثين شيء من الصحة، مع ذلك فقد أثبتت الحرب الأهلية الليبية (فبراير2011- أكتوبر2011) و الحـرب الأهلية الليبية (2014- …20) إن الكيان الليبي ليس هشا لتلك الدرجة كبيرة، فالحرب الأهلية الليبية الحالية حتى الآن  لم تأخذ طابعا إقليميا انفصاليا كما حدث في حروب انفصال يوغسلافيا أواخر القرن الماضي على سبيل المثال، ربما أكون متفائل أكثر من اللازم لكن وحده جهلنا بالقواسم المشتركة بين الليبيين وعزوف المتخصصين الليبيين – عن تصحيح المغالطات التاريخية و تصفية الثقافة الشعبية من الشوائب العالقة، وكذلك تجنبهم البحث ونقاش سبل تحقيق أيدلوجيا وطنية ليبية كما دعا لها الصادق النيهوم خلال ستينات القرن الماضي- هو ما يؤخر تشكل هوية وطنية ليبية جامعة.

معالم الهوية الوطنية الليبية واضحة للمهتم بقراءة حركة التاريخ في الأحداث الليبية ، وعزوف المتخصصين الليبيين مرده سيطرة أيدلوجيا التيارات القومية و الدينية المستوردة من الخارج على تفكير النخبة الليبية. الحديث عن أزمة حق المواطنة الليبية مازال منقوص و يحتاج إلى نقاش جدي أكبر و قراءة مسؤولة أكثر.

شاهد أيضاً

32561156_1697402547022988_7361543979357175808_n

لماذا شاركت في مؤتمر داكار؟ // د.المبروك درباش

شاركتُ في مؤتمر داكار، والذي دعت له دولة السنغال، عضو الإتحاد الإفريقي. ملخص أهدافنا الأولية …

أضف تعليقاً