الرئيسية / مقالات / إستنساخ الجواسيس..تناسل الأغبياء // جمال الزائدي
32105626_2066305876953296_1876242856801206272_n

إستنساخ الجواسيس..تناسل الأغبياء // جمال الزائدي

 

 

تاريخ  الأمم المصابة بفقدان الذاكرة وفقدان القدرة على الإنجاز والاستقلال ، غالبا ما يعيد نفسه ، بذات التفاصيل المملة البغيضة..لأنه ينكفيء على نفسه في حركة دائرية تبدأ من نقطة ما ، لتنتهي إليها تحديدا..

فقبل عقود عديدة ، غادر المغامر الانجليزي ” توماس إدوارد لورانس ” أو لورانس العرب مسرح الأحداث ، ثم أنه وفق مبدأ تناسخ الأرواح المعروف لدى طائفة السيخ وطوائف شرقية أخرى ، وكذلك وفق قوانين تاريخ البسطاء ، عاد مؤخرا في صورة الصحفي الفرنسي برنار هنري ليفي..

نعم عاد في جسد وإيهاب جديدين ، ليكذب قول ونستون تشرشل في رثاء مواطنه ضابط المخابرات بعد وفاته :-  “لن يظهر له مثيل مهما كانت الحاجة ماسه له”

المذكور سيئ الذكر ” لورانس العرب” الثاني سطع نجمه في أحداث ما عرف بالربيع العربي الذي ضرب في دول المنطقة في العام 2011 م بتغطية إعلامية محمومة وغير مسبوقة ، كرسته قائدا أوحدا وعرابا مرشدا ، لساحات الثورات من ميدان التحرير في مصر إلى شارع الحبيب بالعاصمة التونسية مرورا بميدان الشجرة في بنغازي حيث التقى برموز فبراير ، وعلى رأسهم أعضاء المجلس الإنتقالي وزار جبهات القتال بعد أن حرض على التدخل العسكري في ليبيا مستثمرا علاقته بالرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي ، وشبكة اتصالاته الدولية بعواصم القرار الغربي حتى أطلق عليه البعض لقب “محرر ليبيا” كما ورد بالنص في جريدة الشرق الأوسط السعودية في اللقاء الذي أجرته معه والمنشور في العدد الصادر بتاريخ 15 ديسمبر 2011 م ..

وإذا كان المتابع العربي قد عرف القليل من التفاصيل والمعلومات عن حياة وسيرة لورانس العرب الأول عبر ما تناولته وسائل الإعلام حول هذه الشخصية ،وأيضا من خلال الفيلم الروائي الذي أخرجه الفنان البريطاني ” ديفيد لين” العام 1962 م ..فإن ذلك لم يحصل الأبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على رحيل رجل المخابرات الأخطر الذي غير وجه الخارطة الجيوسياسية لمنطقة كانت هي الأهم – بعد شبه القارة الهندية – في قائمة اهتمامات الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ، كما كان يطلق على بريطانيا العظمى في أزهى عصورها الامبريالية الغابرة..

قي عالم اليوم ..صار الكوكب سفحا منبسطا لا مكان فيه لإختباء الذئب عن عيون الراعي ، وذلك بفضل الفضاءات المفتوحة وثورة الاتصال وتكنولوجيا المعلومات..لذا ليس علينا أن ننتظر  وفاة “ليفي” وقرار المخابرات الفرنسية الإفراج عن ملفه لنعرف عن تاريخه وسجله التآمري الحاقد..

ولد “برنارد هنري ليفي” في الجزائر بتارخ في العام 1948 لعائلة من يهود السفرديم وقد انتقلت عائلته إلى باريس في نفس السنة . درس الفلسفة وقام بتدريسها واشتهر ” كأحد الفلاسفة الجدد ” وهم جماعة انتقدت الإشتراكية واعتبرتها نظاما فاسدا ..

اشتهر كصحفي وكناشط سياسي ولقد بدأ حياته العملية كمراسل حربي إبان حرب انفصال بنغلادش عن الباكستان عام 1971″ كما عرف في التسعينات كداعية لتدخل حلف الناتو في يوغوسلافيا ..

العام 1995 ورث شركة ” بيكوب ” عن والده ولقد بيعت هذه الشركة  بحوالي 750 مليون فرنك. وربما هذه الثروة قد ساعدته في الإنفصال التدريجي عن إرتباطاته الإستخبارية السابقة..

في 2008 م، نشر برنار هنري كتابا بعنوان “يسار في أزمنة مظلمة: موقف ضد البربرية الجديدة” هاجم من خلاله الاشتراكية وزعم فيه أن اليسار بعد سقوط الشيوعية قد فقد قيمه واستبدلها بكراهية مرضية تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل ، وأن النزعة الإسلامية لم تنتج من مظالم الغرب تجاه المسلمين والعرب، بل من مشكلة متأصلة، وأن النزعة الإسلامية تشكل تهديدا للغرب تماماً كما هددتها الفاشية… وأكد أن التدخل في العالم الثالث بدواعي إنسانية ليس “مؤامرة إمبريالية” بل أمر مشروع تماماً..

ولأن هذه المعلومات التي توضح حقيقة الفكر العنصري الحاقد الذي يحرك عراب الربيع العربي كانت متاحة لرجل الشارع في مصر وليبيا وتونس وسوريا وبقية أوطان العرب فقد سارع قادة الربيع المزعوم إلى إنكار علاقتهم معه وتنصلوا من لقاءاتهم به على الرغم من أنها موثقة صوتا وصورة ، أو على الأقل هذا ما فعله الدكتور الاستراتيجي محمود جبريل في أكثر من مقابلة تلفزيونية مراهنا على ذاكرة الليبيين المرهقة مستخفا بذاكرة السليكون التي لا تشيخ ولا تتعب ولا تجامل..

جبريل وأمثاله من الذين خدعوا رجل الشارع لا يريدون أن يذكرهم التاريخ إلى جانب الشريف حسين الذي انتهى نهاية مخزية لأنه لم يعرف كيف يرتب قائمة الأعداء وخان حلم أمة بأكملها حين وضع ثقته في المكان الخطأ .. ومع ذلك فإن التاريخ بلا قلب ولا تأخذه العواطف والنوايا الطيبة حين يصدر حكمه ..وكما يتناسخ الجواسيس يتناسل الأغبياء ولا عزاء لأمة أسلمت قيادها للجواسيس والأغبياء..

شاهد أيضاً

27332139_1800507046649119_6549575261868809906_n-277x330-1

ما بعد الشعبوية // سالم القطعاني

    سياسة الرئيس الأمريكي “ترمب” تبدو ظاهرة متطرفة وفريدة من نوعها ، تستعصي حتى …

أضف تعليقاً