الرئيسية / حوار / الدكتورة دانوتا غلونديس: التضامن قيمة نمارسها ونفخر بها
13

الدكتورة دانوتا غلونديس: التضامن قيمة نمارسها ونفخر بها

“نوال السعداوي صوتٌ قويّ”

“هل يمنعنا الاعتقاد الديني من التواصل والعيش في سلام”

“مهمّتنا توفير ملاذ آمن للكتّاب المضطهدين”

 

حاورتها: مريم عبدالله*

 

دانوتا غلونديس Danuta Glondys أستاذة أكاديمية، حرّرت العديد من المنشورات المكرّسة للعلاقات بين الثقافة والسياسة والتكامل الأوروبي. وهي حاصلة على الدكتوراه في الدراسات الثقافية، وقد نُشرت رسالتها «ثقافة المكان في سياسات الاتحاد الأوروبي»** برعاية جامعة جاغيلونيان Jagiellonian البولندية. وهي أيضاً خبيرة المفوضية الأوروبية المسؤولة عن اختيار ورصد جميع عواصم الثقافة الأوروبية بين عامي 2009 و2017، ومديرة رابطة «فيلا ديسيوس» بين 2001- 2016.

تشغل حالياً منصب مفوض مجلس إدارة الشؤون الدولية المسؤول عن البرامج التنفيذية التي تدعم التعاون الثقافي والفكري الدولي وتعزيز التسامح وحقوق الإنسان، وهي عضو في مجلس إدارة منظمة إيكورن المعنية باستضافة ورعاية الكتّاب والأدباء والفنانين المضطهدين حول العالم.

دانوتا غلونديس رحّالة شغوفة، سافرت – وحيدةً معظم الأحيان – إلى جميع قارات العالم، كما زارت – رفقة آخرين – كلا من مالي وزيمبابوي وبوركينا فاسو وناميبيا وإثيوبيا ومدغشقر وسورينام وكولومبيا وفنزويلا وبورما وكمبوديا والفلبين وأماكن أخرى. وهي تعدّ للقيام برحلة جديدة إلى أفريقيا مرة أخرى.

في كراكوف، عاصمة اليونسكو للأدب العالمي، كان لدينا معها هذه المقابلة للحديث عن جوانب مختلفة من تجربتها الأكاديمية والثقافية ومعرفة رأيها في قضايا أخرى مختلفة.

 

11

فيلا ديسيوس مكان مميز، ولديه تاريخ ملحوظ. فمنذ وقت طويل كان موقعاً ملكياً، ثم أصبح جزءاً من إرث تاريخي لعائلة ديسيوس. كيف تحول إلى مؤسسة ثقافية؟

 

– تاريخ المكان يعود إلى القرن 16 عندما بني هذا القصر الصغير كمنزل خاص لجوست لودفيغ ديتز في 1535 (بالمناسبة، هو مهاجر من ويسمبورغ بمنطقة الألزاس) واستقر في كراكوف في خدمة الملك البولندي سيغيسموند الأكبر. ومنذ ذلك الوقت، كان المكان يضم الأسر الأرستقراطية البولندية، وشهد – ليس فقط الاجتماعات الفكرية والمناقشات الفلسفية – ولكن أيضاً الحب والعاطفة والحرية. وعلى مر السنين أصبح مكاناً لعقد اجتماعات ممثلي مختلف الثقافات والجنسيات، وتبادل الآراء، والمواجهات الخلاقة بين مختلف القناعات.

أصبحت فيلا ديسيوس مقراً لمؤسسة ثقافية خاصة هي «رابطة فيلا ديسيوس» في عام 1995 عندما قامت مجموعة من الفنانين والمثقفين والمنشقين السابقين عن النظام الرسمي بالاقتراح على رئيس كراكوف (الذي يمتلك المكان) أن تتم إقامة شراكة بين القطاعين العام والخاص لإنشاء أكاديمية أوروبية في الفيلا، وتكون مؤسسة تركّز على التعاون والتكامل في أوروبا. وكان هذا الاقتراح يعني الالتزام من كلا الجانبين. فبالنسبة للرابطة كان عليها القيام بجمع التبرعات لتكاليف صيانة القصر التاريخي، ومجمّع الحديقة المحيطة به، وتوفير الأموال لأنشطة البرنامج، وبالنسبة لمجلس المدينة كان عليه واجب تخفيض الضرائب قدر الإمكان، ورعاية تجديد رأس المال لهذا المجمع التاريخي، ودعم بعض المشاريع المختارة من طرف الرابطة.

 

هل رابطة «فيلا ديسيوس» مشروع حكومي، أم أنها تعتمد فقط على جهود المثقفين؟

 

– منذ البداية تم تشغيل رابطة «فيلا ديسيوس» من قبل المثقفين البولنديين، بشكل مستقل عن أي حكومة. ومع ذلك فإن التحرّر الرائع من الضغوط والتوقعات السياسية قد يتأثر أحياناً، حيث هناك التحدي الدائم لتلبية النفقات.

حتى الآن، ولأكثر من 20 عاماً، تمكنّا من الحفاظ على المباني التاريخية والحديقة وتوفير التمويل للأنشطة الدولية والمحلية في مجال الثقافة والتعليم، ولكننا لا نعرف أبداً ما إذا كنا، دعنا نقول خلال هذا العام، سوف ننجح مرةً أخرى. إن الأمر يشبه في بعض الأحيان المشي على جليد قابل للكسر.

 

– ما هي الأهداف الرئيسية لرابطة «فيلا ديسيوس»؟

 

– تستند أنشطة رابطة «فيلا ديسيوس» على مفهوم الأكاديمية الدولية حيث يلتقي الناس المهتمون بالعلم والثقافة ويتعاونون. من هنا نحن نركّز على البرامج الثقافية والفكرية الدولية (كالمؤتمرات وتوفير الإقامة للفنانين)، ونشر حقوق الإنسان (على المستوى الشعبي والمستوى الدولي)، والنهوض بالتراث الثقافي البولندي والأوروبي (المادي والمعنوي). مجالات البرمجة الثلاثة هذه تعطي لمحة عن أنشطتنا وهي تشكّل الإطار العام للمشاريع التي نقوم بتنفيذها.

 

– كمؤسسة للحوار الدولي بين الثقافات، تسعى الرابطة إلى التعاون مع الآخرين، سواء في الداخل أو في الخارج، هل تفكرون في التعاون مع المؤسسات غير الأوروبية، وخاصة في جنوب البحر الأبيض المتوسط؟

 

– الرابطة تتعاون مع المؤسسات المحلية والخارجية التي تتطلع إلى تنمية قيم الثقافات الإقليمية وحقوق الإنسان والتكامل الأوروبي. كل عام نقوم بجمع التبرعات لمشاريعنا وإشراك أكثر من 100 شخص – طبيعي أو معنوي – في أنشطتنا. من بين ذلك هناك بولنديين وأجانب (ليسوا أوروبيين بالضرورة) كالمؤسسات الثقافية، والمنظمات، والدبلوماسيين، ومجالس الحكم المحلي، والأفراد.

لسوء الحظ لم نتمكن من إقامة أي علاقات عمل مع بلدان جنوب البحر الأبيض المتوسط. ليس لأننا غير مهتمين ولكن لأننا لم نتمكن من تحديد الشركاء أو التمويلات التي من الممكن أن تدعم هذا التعاون. حتى الآن، لم نتمكن إلا من جلب العديد من الخبراء إلى «الفيلا» وهم يقدمون عوالمهم لنا، أي نحن الأوروبيين. لقد استمعنا إلى أصوات قوية مثل نوال السعداوي وكريم عامر من مصر، وناجي الخوري ومحمد النكاري من لبنان. كانت بالتأكيد تجربة تعلمنا منها.

– ما هي العلاقة بين رابطة «فيلا ديسيوس» ورابطة «أيكورن» ICORN العالمية المهتمة برعاية الكتاب والمثقفين المضطهدين؟

 

– كانت كراكوف أول مدينة في أوروبا الشرقية الوسطى تمت دعوتها إلى الشبكة من قبل رئيس «أيكورن». لم يكن الانضمام إلى «أيكورن» أمراً سهلاً، فقد استغرق الأمر ما يقرب من نصف عام لإقناع مجلس المدينة ثم 6 أشهر أخرى لإقناع وزارة الشؤون الخارجية (فهي التي تقرر ما إذا كانت المدينة يمكن أن تنضم إلى منظمة أجنبية) بأن ما نقوم به آمن وغير مكلف للغاية ولا يتداخل مع اختصاصات الإدارة الحكومية.

منذ بداية عضوية كراكوف في «أيكورن» عام 2011، أصبحت «فيلا ديسيوس» مشغّلاً عاملاً في برنامج «أيكورن»، وهو ما يعني رعاية العلماء والكتاب والمدونين المضطهدين الذين جاءوا إلى كراكوف بناء على دعوة من رئيس المدينة. وقمنا حتى الآن باستضافة أكاديميين وكتاب مضطهدين من أوستيا الشمالية ومصر وإيران وبيلاروس وتركيا والآن ليبيا. ومن مهمتنا الأساسية تقديم المساعدة لحصولهم على التأشيرات، وترتيب سفرهم وخلق «ملاذ آمن» لهم في الفيلا. جنباً إلى جنب مع مكتب «مهرجان كراكوف» وجامعات كراكوف، ونقوم أيضاً بتشجيع وتعزيز إنجازاتهم الفنية والأكاديمية والتراث الثقافي لبلدانهم خلال المحاضرات والندوات أو المناسبات الفنية التي تقام في كراكوف.

 

– هل هناك أي تعاون بينكم وبين منظمات دولية أخرى تشبه «أيكورن»؟

 

– في العام الماضي بدأنا التعاون مع «سار» SAR، (اختصار لـScholars at Risk Network ، باحثون في خطر) ومقرها بجامعة نيويورك، وذلك بعد أن قامت الشبكة بدعوتنا لتعزيز فكرة الحرية الأكاديمية وحماية العلماء والطلاب المضطهدين. وتركز جهودنا في الوقت الحاضر على الدفع بالجامعات للانضمام إلى الشبكة، ومن ثم سوف نحاول جعلها تتعاون فيما بينها ومع رئاسة شبكة «سار».

حتى اليوم تمكنا من إقناع ثلاث جامعات بولندية رئيسية، أي جامعة جاغيلونيان، جامعة التكنولوجيا، وجامعة الاقتصاد، وجميعها من كراكوف، بالانضمام إلى الشبكة. ونأمل أن يحذو الآخرون حذوها، وأن تمثِّل بولندا تمثيلاً جيداً في هذه الشبكة المرموقة من أفضل الجامعات في العالم.

لقد ظل بلدي منذ قرون يرحب بالإنسانيين والعلماء من جميع أنحاء العالم. التضامن قيمة نمارسها ونفخر بها. وهذا هو الإرث والالتزام الذي أشير إليه عندما أتحدث إلى رؤساء الجامعات.

12

– أنتم تستضيفون ممثلين عن مجالات العلوم والاقتصاد والثقافة. هل تفكرون في تنظيم نشاط حول الحوار بين الأديان ومشكلة الصراع الديني في العالم؟

 

– لسنا خبراء في الحوار بين الأديان ولا ينبغي أن ندّعي أننا كذلك. ولكننا – كما آمل – خبراء في الحوار بين الثقافات، الحوار الذي يقوم على الاحترام والاعتراف بالآخرين.

الدين، الذي هو جزء من أي هوية ثقافية وعنصر من أي تراث تاريخي، يلعب دوراً هاماً في تحديد علاقاتنا داخل مجتمعاتنا ومع «الآخر». نحن – إذا كنت أستطيع استخدام هذا التعميم – نصبح مسيحيين أو مسلمين بالولادة، وليس عن طريق خيارنا الواعي، ولا يمكن التأثير على ذلك، ولكن ما يمكننا القيام به، هو تشكيل مواقفنا إزاء الآخرين وبناء علاقات جيدة مع أناس من مختلف الأديان والطوائف. لا أستطيع أن أتصرف إزاء كوني مسيحية. أتستطيع فعل ذلك إزاء كونك مسلماً؟ وهل هذا الاختلاف كبير حقاً بحيث لا يمكننا التواصل والعيش في سلام؟

سأحكي لك قصة. عندما ذهبت مع شريكي لأول مرة إلى غرب أفريقيا في عام 2000، كان أول سؤال وجهه لنا «دليلنا الشخصي» هو التالي: «ما هو دينك؟». قد تتخيل رد فعلي… كدت أنفجر في وجهه وكان علي أن أتمالك نفسي لكي لا أقول له: «هذا ليس من شأنك». بعد عدة ثوان أجبت متمتمةً: «أنا مسيحية»، فأجاب «جيد». سألته: «لماذا جيد.. ألكوني مسيحية هو أمر جيد؟». أجاب: «لا، أنت لم تفهمي. بالنسبة لي يمكن أن تكون مسيحية أو مسلمة أو يهودية. أردت فقط أن أعرف إذا كنت تعتقدين في أي شيء، فهنا في أفريقيا حتى الشجرة أو الحجر لها أرواح. إذا كنت تعتقدين فإن لديك روح، ولكن إذا لم تكوني كذلك ستكونين أسوأ من الحجر». أنا لن أنسى ذلك أبداً.

– حول مساهمات الرابطة لحماية التراث الثقافي، هل يقتصر ذلك على بولندا فقط أم أن هذا الهدف يمتد إلى بلدان أوروبية أخرى؟

 

– تقتصر حماية التراث الثقافي على بولندا لأسباب مالية وأسباب تتعلق بالقدرات. ولكن منذ بضع سنوات، وبفضل منحة من وزارة الثقافة والتراث الوطني البولندية، قمنا بمساعدة المجتمع الأوكراني في منطقة لفيف Lviv على إجراء دراسات أثرية ودراسات جدوى تتعلق بقصر تاريخي أراد الأوكرانيون تحويله إلى «فيلا ديسيوس» أخرى، أي إلى مؤسسة ثقافية دولية. وكان شركاؤنا المسؤولون عن الدراسات الأثرية في ذلك الوقت معاهد فنية من كل من كراكوف ولفيف.

في هذا العام نظّمنا، بالتعاون مع منظمة غير حكومية مقرها برلين، هي منظمة رصد التراث العالمي World Heritage Watch، «المنتدى الدولي الرابع للمنظمات غير الحكومية المعني بالتراث العالمي المعرض للخطر»، واستضفنا نشطاء ومنظمات غير حكومية من جميع أنحاء العالم من المعنيين برعاية مواقع اليونسكو للتراث العالمي. وقد جاء المشاركون من النيجر وبوتسوانا وجنوب إفريقيا وكينيا وتنزانيا وكندا والنمسا وألمانيا والمملكة المتحدة وروسيا وبولندا وألبانيا ومقدونيا وتركيا وجورجيا والتبت وإندونيسيا وباكستان والصين وتسمانيا والاكوادور والمكسيك. كان نجاحاً كبيراً بالنسبة لنا أن نقدّم عدداً من القرارات التي تم وضعها خلال المنتدى لتندرج في اتفاقية اليونسكو التي عقدت في كراكوف مباشرة بعد أن انتهينا.

 

– تعقد الرابطة مؤتمرات سنوية متميزة، ما هو موضوع مؤتمر هذا العام؟

 

– سوف نكرس مؤتمر هذا العام لشبكة «سار» SAR (باحثون في خطر) ولأنشطتها. ومن هنا جاء عنوان المؤتمر: «تراث الإنسانية. دور الجامعات في تعزيز القيم العالمية والتضامن». وسنقوم خلال المؤتمر بتقديم وتحليل البحث غير المقيّد والتهديدات الموجهة لحرية التعبير، لذا ستركز النقاشات الرئيسية على «الحرية والعلم. الشجاعة من أجل التفكير» و«باحثون في عالم خطر. الشجاعة من أجل العمل».

وسيناقش الفريق ماضي وحاضر ومستقبل البحث غير المقيّد ومخاطره في بلدان مختارة، كما سيستكشف الآليات المختلفة التي يتم من خلالها تقييد حرية الكلام للعلماء وكذلك مناقشة الشراكات الدولية التي تلعب دوراً حاسماً في حماية القيم الأكاديمية والإنسانية.

14

– ماذا عن قضايا الأقليات الإثنية وتنمية التسامح في العالم؟

 

– على مر السنين، قمنا بتنفيذ العديد من البرامج التعليمية العميقة في مجال حقوق الإنسان، ومكافحة خطاب الكراهية، خاصة في المجتمعات الشبابية، وتعزيز ثقافات الأقليات. ومع ذلك، فإن مشروعنا الرائد في هذا المجال هو الجائزة البولندية لسيرجيو فييرا دي ميلو Prize of Sergio Vieira de Mello، مفوض الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان 2002- 2003، والتي مُنحت لمدة 14 عاماُ لأشخاص ومنظمات غير حكومية لجهودهم في بناء السلام والتعايش بين المجتمعات والأديان والثقافات.

كانت هذه هي أول جائزة بولندية في مجال حقوق الإنسان، وعلى مر السنين، أصبحت مبادرة هامة أيضاً لوزارة الخارجية البولندية التي بدأت في دعم الترويج لها في جميع أنحاء العالم.

ومن بين الحائزين سابقاً على الجائزة أشخاص ومنظمات بارزة، اسمح لي أن أشير فقط إلى عدد قليل منهم: تاديوس مازويكي (بولندا)، الرابطة التذكارية (روسيا)، فاتوس لوبونجا (ألبانيا)، ألكسندرميلينفيتش (بيلاروس)، بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى العراق، ناغي ، ومحمد النكاري (لبنان)، وبيترو بارتولو (لامبيدوزا، إيطاليا)، ومؤسسة لا سترادا لمكافحة الاتجار بالأشخاص والرق (بولندا)، طاهرة عبد الله (باكستان)، سيرغي كوفاليف (الاتحاد الروسي) إرسالية الأخت رافائيلا (رواندا). ومن المقرر عقد حفل توزيع الجوائز هذا العام في 19 أكتوبر، خلال المؤتمر المخصص للعلماء المعرضين للخطر.

 

 

(*) رئيس تحرير مجلة أطلس

(**) Miejsce kultury w polityce Unii Europejskiej, Europejska Stolica Kultury.

شاهد أيضاً

23755637_1783073548668335_3460925113800445921_n

” جمرك بنغازي “: ضبط 40 حاوية لشركة وردت طوب إسمنتي بدل السكر

  كشف قسم مكافحة التهريب والمخدرات بنغازي وبالتعاون مع رجال مركز جمرك ميناء بنغازي عن …

أضف تعليقاً