الرئيسية / مقالات / الذين يحادون الله..”1″ // جمال الزائدي
32105626_2066305876953296_1876242856801206272_n-509x330-1-1-1

الذين يحادون الله..”1″ // جمال الزائدي

هل ثمة جدوى من إراقة الحبر .. هل ثمة هناك أمل..؟ بينما أنهار الدم تغطي أديم الأرض انصياعا لمقولات محنطة عتقها الزمان في كأسه الذهبية المقدسة..؟ إستفهام مكرور يكاد يصير ممجوجا لولا أنه يستمد شرعيته وإلحاحه, من قتامة الصورة التي يسجلها واقع أمتنا اليوم..

لا يستطيع أحدنا, إعطاء إجابة متفائلة, تهب بعض العزاء  لهؤلاء الذين إستجابوا لغواية الحلم, وآمنوا بسلطة الكلمة والعقل في إحداث التغيير, وبعث الحياة في أوصال أمة داهمها العجز باكرا..ثم إستنامت له قرونا متطاولة..  دون أن تنجح المحاولات الخجولة في إعادة إتصالها بلحظتها الراهنة ومستقبلها المتلفع بالغموض..

من جانب آخر, لا يمكننا – ببساطة – غض الانتباه, عن قائمة طويلة من الأسماء اللامعة, التي إنخرطت في نضال “سيزيفي ” منقطع النظير, للإفلات من أسر بحر الرمال المتحركة التي دفنت تحتها براعم المشروع المحمدي العظيم, بمجرد أن إستعاد “هبل” وأيقوناته الحجرية الأخرى, القدرة على تأبيد حضوره في مفردات الكيان الثقافي الجديد, مستعيرا وجوها جديدة لمنظومته القديمة..

قائمة طويلة, انتهت معظم الأسماء الواردة فيها, إلى مصائر متفاوتة في وحشيتها بين الموت إغتيالا, والسجن والتعذيب حتى الموت, تناغما مع طبيعة وقسوة السلطة الزمانية والدينية التي سادت في فترات ظهورها..

الاستشهاد بأسماء بعينها, سيثير غبار الخلاف والشحناء وقد يعيد إحياء ذكرى ماض لا نسعى لتجديده..أكثر مما سيفيد البرهان على أن تاريخ الفكر العربي الإسلامي, لم يكن بأكمله رجع صدى لقراءة واحدة مهيمنة فرضتها ضرورة الصراع السياسي الطبقي في ظرف إستثنائي خارج السياق الطبيعي للمشروع  الثوري الذي شهدت ولادته شعاب مكة بعد ظهور النبي العربي “صلعم”..

كل المحاولات التي إرتبطت بأسماء أصحابها, جمعتها تهمة واحدة تحمل حكما قيميا مطلقا “الزندقة” و”التكفير” ..وتحت هذه المظلة الفسيحة أقيمت المجازر وحملات التصفية ضد كل من تجرأ على الطعن في أحادية الارتباط بين الحقيقة وبين منهج النقل والتقليد “السلفي” وقال بالعقل والبرهان طريقا شرعيا موازيا للمعرفة ..أو حتى هاجسته نفسه الأمارة بالسوء, على الجهر برأي سياسي أو معرفي, مخالف لما رآه جمهور أهل العقد والحل الملتفين حول قصعة الحاكم بأمره عبر كل العصور ..

التوظيف السياسي – السلطوي تحديدا – للدين والفكر الديني, لم ينقطع على امتداد عمر الدولة الإسلامية منذ السقيفة، وحتى سقوط خلافة عبد المجيد الثاني..لكنه عاد بقوة مع تدفق ينابيع الزيت الأسود في صحراء نجد والحجاز وبزوغ نجم الممالك والمشيخات القبلية المتحالفة مع عصبة رجال الدين خصوصا فيما يسمى بالسعودية الآن ..

في القرن الثامن عشر إستطاعت إحدى القبائل بقيادة زعيم مغامر اسمه محمد بن سعود, عقد تحالف عضوي مع  رجل دين, لا يقل عنه رغبة في المغامرة (يدعى الشيخ محمد بن عبد الوهاب), وهو من ذلك الطراز الذي لا بد لظهوره على مسرح الأحداث أن يخلف ندوبا على وجه التاريخ والجغرافية..وانطلقا في كر وفر, عبر عقود ممتدة في محاولة للسيطرة على الأراضي والقبائل المحيطة, حتى قيض لورثتهما تحقيق الحلم وإقامة الدولة القبلية / الدينية بعد الإستيلاء على مساحة شاسعة من جزيرة العرب..

لم تكن الوهابية مجرد مذهب فقهي لإجتهاد مختلف تحت سقف الأصول التي تصدر عنها كافة المدارس الفقهية لأهل السنة والجماعة ..لكنها كانت أشبه بالدين الجديد الذي جاء ليجب ما قبله من تراث فكري وأصولي وفقهي أغتنت بتنويعاته المدونة الإسلامية طوال القرون ال” 14″ الماضية , مفسحا هامشا واسعا للتدبر والتفكر والاجتهاد الذي طال مسائل أساسية دون أن  يشرعن الاحتكام إلى تكفير الآخر و إستباحة دمه..

لقد إستطاع المنهج النجدي / الوهابي أن يجرد الإسلام من روحيته الحضارية والثقافية المتسامحة مع الاختلاف في العقيدة والرأي ، ويختصرها -إعتسافا- في الدعوة إلى الحرب أو الجهاد ضد كل مخالف حتى وإن كان مجال الخلاف في الفروع لا في الأصول من خلال تطويع النص الديني ” في القرآن والحديث ” لقراءة أحادية مغلقة تتجاهل السياق العملي و”تاريخانية ” التنزيل وتتجاهل أيضا الحذر النبوي في مقاربة هذه المسائل لتتحول الديانة الإسلامية القائمة على مبدأ الحياة ومفهوم النعيم إلى سباق محموم نحو الموت والعدمية..فتأسست على هذا المنهج النظرية القتالية التي فرخت من تحت عباءتها عشرات الحركات والتنظيمات الدعوية و الجهادية في المنطقة وما جاورها  بتمويل من خزائن البترودولار العامرة بفضل الطفرة في أسعار النفط خلال العقود الماضية ..وبغض النظر عن الدور الذي لعبته الدوائر المخابراتية في الغرب لتوظيف هذه الحركات إبان حقبة الحرب الباردة في حربها ضد ما كان يسمى بالخطر الشيوعي واقترابه من تخوم منطقتنا حيث البترول والغاز ومصالح المنظومة الرأسمالية..فقد لعب التراخي بل والتواطؤ الذي أظهرته الأنظمة مع تسلل هذا المنهج الظلامي إلى مجتمعات ومفاصل الدول العربية دورا هاما في إكتساحه للشرائح الشبابية وتجنيد أعداد غفيرة منها تحت لواء “الصحوة الإسلامية” ..

ومع أن حركة الإخوان المسلمين التي ظهرت بدايات القرن الماضي لا تنتسب عضويا للمؤسسة الوهابية إلا أنها تنهل من ذات المنهل والمنهج  الذي ينظر إلى المشروع الإسلامي كحركة سياسية للإستيلاء على السلطة تحت شعار الحاكمية الإلهية التي تظل مجرد تهويم مائع إلى أن تتحول على يد رجال الدين ورثة الوحي إلى تجسيد عملي لسلطة النص المقدس ” كلمة الله “..

أن أي مذهب أو حزب يتوخى توريط الدين المقدس ، في دنيا السياسة ودنسها لا يمكن إلا أن يكون عدوا للمجتمع الإسلامي وللثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي الذي شكل طوال تاريخ الدولة الإسلامية في أزهى عصورها جسرا للتواصل مع التجارب الإنسانية الأخرى في كل تجلياتها الثقافية والفكرية .

شاهد أيضاً

32105626_2066305876953296_1876242856801206272_n-509x330-1-1-1

شعوب مكتئبة // جمال الزائدي

  تصاب الشعوب بالغباء كما يصاب الأفراد .. وتستحوذ عليها الميول الانتحارية شأنها شأن المريض …

أضف تعليقاً