الرئيسية / مقالات / القرار لمن؟! // عبدالمنعم المحجوب
عبد المنعم 2

القرار لمن؟! // عبدالمنعم المحجوب

ثمة فرق بين المشاركة في القرارات وبين القدرة على اتخاذها.. أنْ تشارك في اتخاذ القرار ليس أن تقرّر، وأن تقرّر ليس أن تتأكد من أن قرارك قد اتخذ سياقاً، أي تحوّلَ إلى إجراء؛ لفهم هذه الأحجية علينا أن نفكّك المفاهيم العاملة في هذه المنظومة.
– أن تشارك: هو أن تنخرط في نشاط محدّد، دون اشتراط التروي أو التفكير.
– أن تقرّر: هو أن تحدّد اختيارك بين عدة احتمالات بعد تفكير وتروٍ. –
-أن تُجري (من إجراء)أو تطبّق: هو أن تعمل بإرادة وفق مخطّط محدّد.
إن أي قاموس سياسي في العالم، بغضّ النظر عن أيديولوجيته يمكنه أن يرينا هذه “الفُويرقات” العظيمة!
القرار هو متوسّط الممارسة بحدّيها أي المشاركة، التي قد يقع خفْضها إلى درجة التضامن المعنوي؛ والإجراء، الذي لا يكون إلا تنفيذيّاً. إن الاهتمام بموضوع، لا يعني المشاركة فيه، والمشاركة فيه لا تعني الاعتقاد بصلاحيته، أما القرار فإنه يتأسس مباشرة على تصعيد المشاركة بتوليف عقلاني- نقدي، بعد دراسة الممكنات؛ ولكن الإجراء على أي حال ليس موضوع اختيار بين المشاركة والقرار؛
إن له اشتراطات أخرى لا تتوقف على مجرد التفكير في موضوع القرار، أو اختيار الأنسب من الناحية المنطقية؛ ذلك أن الإجراء بوضع القرار موضع التنفيذ، مسألة تتصل بالمنظومة السياسية والاقتصادية للدولة، أي أنه محكوم مؤسساتياً، وهو بذلك أبعد ما يكون عن المشاركة في قابليتها الفردية، أو حتى الجماعية، لأن المؤسسة غالباً ما تحلّ كبديل مشرَّع له. إنها تنسخ الجماعات والأفراد، وهي بالتالي غير قابلة للنقض باتخاذ قرارات أو مواقف تخالفها. في الإجراء يكفّ الفرد عن أن يكون فرداً، إنه هنا يتحوّل إلى فكرة. ولتحويل هذه الفكرة إلى ممارسة يجب أن تتمتع بأهلية مؤسساتية قادرة على أن توفّر لها أكبر عدد من المتحمسين والمناصرين، فتأخذ طريقها إلى اللوائح والقوانين العاملة في الدولة. ولكن حتى هذا السياق الافتراضي غالباً ما يتم بتره.
أعتقد أن هذا هو المأزق الحقيقي للممارسة في الصيغة الديمقراطية السائدة في الولايات المتحدة، المجتمع الأمريكي بقدر ما هو غير قابل لأن يشرّع المزيد وفقاً لآراء وأهواء أو قرارات أفراد (قابلين لأن يتحولوا إلى مجموعات متزايدة العدد) طالما كانوا مجرّد “مواطنين”، بقدر ما هو أهلٌ للقبول بمثل هذه القرارات إذا صدرت عن الجهة المخوّلة دستورياً لأن يصدر عنها مثل هذه القرارات حتى لو تمثّلت في شخص واحد (الرئيس مثلاً) دون أن يرد في هذه الحالة ذكر للآراء والأهواء، بل يتم التعامل مع ما يصدر باعتباره قراراً نافذاً. بعبارة أخرى: إن قرارات المواطنين (وهم أعضاءٌ في المجتمع؛ وهذا هو الحدّ الدستوري الأدنى لوصفهم) لا يؤخذ بها طالما لم تمنحهم الدولة صفةً استثنائية، أي طالما كانوا مجرّد أشخاص طبيعيين، وغير مؤهلين ضمن آليات مؤسسات الدولة لأن يُسمَعوا على مستوى المؤسسات الدستورية المعنية بصياغة التشريعات وتعديلاتها، لتظل قراراتهم مجرّد آراء فردية مهما كان عددهم. لنفكّر الآن في ذلك المبدأ الديمقراطي الأصيل الذي يجعل من رأي الفرد أساساً للقرار الجماعي باعتماده عبر التداول؟!

شاهد أيضاً

1

الإسلام الوطني، في مواجهة الأسلمة الوافدة (أيادي اللعبة الدولية) // بقلم: محمد عمر غرس الله

يلاحظ المتابع للأحداث التي تمر بها المنطقة العربية إستخدام (الإسلام) كمبرر وسلاح، وكأننا لم نعرفه …

أضف تعليقاً