الرئيسية / مقالات / بعض الظن إثم.. وغباء أيضا // جمال الزائدي
32105626_2066305876953296_1876242856801206272_n-509x330-1-1-1-1

بعض الظن إثم.. وغباء أيضا // جمال الزائدي

 

إعادة رسم الخرائط السياسية في العالم العربي وفق مخططات وثيقة برنار لويس المعتمدة من الكونغرس الأمريكي ” 83 م”..لم يكن لها أن تدخل حيز الإمكان والواقعية دون المرور ببوابة ما أسمته الصحافة الغربية ” الربيع العربي ” الذي بدأ في الحقيقة العام 2003 م مع عملية إحتلال العراق وتحريره من حزب البعث العربي الإشتراكي وقاعدته الصناعية والعسكرية الناهضة، ولن ينتهي بإشعال النار في ليبيا وسوريا واليمن ..

أنظمة الخليج التي طالما تنعمت بدفء العباءة الأمريكية عبر عقود من زمهرير الحرب الباردة، ومولت بالمقابل حروب واشنطن الإقليمية من حرب مصر عبد الناصر في اليمن إلى حرب الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، مازالت مسكونة بأوهام تلك العلاقة الشاذة .. وتعتقد أو تحاول أن تجبر نفسها على الإعتقاد بأنها ما تزال بمنأى عن مشاريع الفوضى الخلاقة وطموحات “سايكس بيكو 2 ” طالما أنها تداوم على الدفع السخي وعلى الإنبطاح الخليع أمام رغبات سادة البيت الأبيض الشبقة ..

هذه المقاربة للسياسات الأمريكية في المنطقة ترتكز على رؤية قاصرة تتوخى حماية مصالح العائلات الحاكمة في حقول البترول وتستند على أوهام القوة العسكرية المطلقة للولايات المتحدة غير عابئة بحسبان القوى والآليات الإقليمية التي لا تستطيع المؤسسة السياسية في واشنطن تجاوزها أو تجاهلها في سياق تأمين وتوسيع مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في الجغرافية التي تحتوي على أكثر من أربعين بالمائة من مخزون الطاقة العالمي..وهذه القوى هي على التوالي (إسرائيل – تركيا – إيران ) ومن ورائها شبكة معقدة ومتداخلة من الحلفاء الدوليين تبدأ بحلف الراغبين في المنظومة الرأسمالية الغربية ولا تنتهي ببكين وموسكو العائدتين بقوة – وكل على طريقتها – إلى معركة المنافسة على إقتسام النفوذ و السيطرة على جغرافية تبدو خالية من البشر والأثر لشدة ماغابت شعوبها وأنظمتها عن الفعل التاريخي طوال العقود الماضية..

في غياب الرؤية الحكيمة والعقل السياسي الذي يتجاوز إمكانيات عقل التاجر “الفهلوي” تتبارى مملكة القبائل السعودية ومشيخة قطر ومجلس إدارة شركات الإمارات في دفع الإتارة للبلطجي الجالس في مقعده الوثير بالمكتب البيضاوي، بعد أن ساندته في إسقاط الدول والأنظمة المقاومة للمشروع الصهيوني ..ظنا منها – وبعض الظن إثم وغباء – أن ذلك سيشفع لها ساعة الهول الأكبر عندما يبدأ العمل الفعلي على هدم الدول الكرتونية البائسة من المحيط للخليج تمهيدا لإطلاق الجيل الثاني من المحميات التي تحدث عنها برنار لويس في وثيقته المشؤومة والقاضية بإقامة كيانات تحت الدولة وفوق القبيلة على أساس طائفي ومذهبي وإثني وحتى قبلي لغرض مزيد التشتيت للجغرافية الثقافية للأمة وتفتيت الثروات وأخيرا وهذا الأهم تعويم الكيان الصهيوني العنصري عبر إعادة تقديمه كدولة محورية مركزية في محيط من المحميات الهشة التي تحتاج إلى راع إقليمي يهش عليها بعصاته المقدسة ..

وبغض النظر عن الإهمال غير المبرر لإستغلال المطامح الروسية والصينية المشروعة، في محاولة إحداث نوع من الإنضباط و”الفرملة ” لحدة الشراهة الأمريكية لإبتلاع المنطقة، فإن الإستخفاف بالقوى الإقليمية المؤثرة ومناصبتها العداء في مقابل محاولة التقرب من الكيان الصهيوني ذي الطبيعة الجوهرية المعادية للوجود العربي بالمطلق، يقيم الحجة القاطعة على إفتقار حكام الخليج للحد الأدنى من الولاء لشعوب منطقتهم ومصير أجيالها القادمة..

وقد لا تكون إيران وتركيا  أقل شراهة للحلم العربي ولا أقل طاعة للسياسات الامريكية والغربية من المدللة إسرائيل لكن كان بالإمكان توظيفهما في كبح جماح الوتيرة المتسارعة لهدم المنظومة العربية الحالية لولا الإصرار الخليجي على إتباع نظرية ” السادات ” الشهيرة التي تقول أن 90 بالمائة من أوراق المنطقة بيد واشنطن، والذي أورثنا تصديقها وتطبيقها شق الصف العربي وانهيار مفهوم الأمن القومي وإنفراد الذئب بنعاج القطيع الواحدة تلوا الأخرى..ومع ذلك لم يتعلم العرب – البدو منهم والحضر – أن وضع البيض كله في سلة واحدة غالبا ما يفضي إلى خسارة كل شيء..

لقد كرست النظم العائلية في مستنقع البترول والرجعية كل إمكانياتها الإقتصادية والمالية طوال العقود الماضية من أجل عرقلة كافة المحاولات الثورية التي بذلت في المشرق والمغرب لتغيير الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي للأمة العربية لتحسين ظروف المواجهة مع المشاريع الخارجية المعادية، ونجحت – كما تفاخر محمد بن سلمان ذات لقاء صحفي – في إسقاط الناصرية كمشروع نهضوي يتوخى بناء كيان قومي قادر على مواجهة المشروع الإمبريالي الصهيوني الطامح ..وهاهي اليوم على وشك أن تحصد خبث مازرعت ..

الخوف ليس على هذه الأنظمة ، فلتذهب إلى الجحيم وتنال ماتستحق ..لكن الخوف على الشعوب المغيبة عن واقعها وفعلها ومصيرها المرتهن بين يدي عائلات كل همها الحفاظ على إمتيازاتها بأي ثمن حتى وإن كان على حساب أجيال بأكملها ستأكلها نيران الفوضى الخلاقة التي قد تمتد لعشرات السنين المقبلة..

شاهد أيضاً

n00042652-b

هل يعود سيف الإسلام؟ // كمال يحيى

تعتبر الشرعيّة هي المعركة الوحيدة التي لم يَخُض الليبيون غمارَها بعد، فقد كانوا حتى هذا …

أضف تعليقاً