الرئيسية / سلايدر / بيان المحجوب ضد الكهنوت الإسلامي // سالم أبوظهير
2

بيان المحجوب ضد الكهنوت الإسلامي // سالم أبوظهير

(لابد من تفكيك نظام الأكليروس الإسلامي لكي ننظر إلى العقيدة كما يجب، ابحثوا عن المتسلطين ووكلائهم إذا أردتم أن تفهموا عقيدتكم على حقيقتها)

على هذا النحو الذي لا تنقصه الحدّة ختم عبدالمنعم المحجوب بيانه الموجز ضد الكهنوت الإسلامي، الذي أعلن فيه بحرص وجرأة حربه الفكرية ضد بعض الموروث القديم البالي في الفكر الإسلامي عبر تاريخ هذا الفكر الممتد لعدة قرون، مطالباً بشكل صريح بثورة فكرية نظيفة، تخلص الإسلام كدين سماوي من شبهات و أردان طالته وعبثت به وشوهته وسخرته لمصلحتها السياسية والاجتماعية، على يد طوائف وجماعات وأفراد من بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بقليل وصولاً إلى عصرنا الراهن، داعياً بشكل صريح على وجوب تغيّير منظورنا بشكل جذري وكامل بما علق بتراث الدين الإسلامي السمح اليسير . متسائلاً بذكاء في أول سطر في كتابه ( هل نحن على استعداد لأن ننظر إلى الإسلام من منظور نقدي دون أن نستثير ردود فعل عصابية تلقي الشبهات؟؟)

عبر التاريخ الإنساني تشكّل فريق التنويريين منهم الكندي وابن رشد، وبن ميمون والاكويني وحتى مارتن لوثر مروراً بطه حسين ومحمد اراكون وحامد بوزيد وصادق النيهوم، هذا الطابور المعروف باستخدامه لمنهج النقد والتفكير العلمي الحر والحكمة والبيان والتبيين والفلسفة طالب بإلحاح بوقف استعمال الدين – أي دين سماوي – كسلاح على الأرض هدفه تحقيق منفعة دنيوية خالصة. يقف الدكتور عبدالمنعم المحجوب في هذا الطابور المميز الطويل، ملوحاً ببيانه شديد اللهجة ضد ما يقتنع به أنه خطأ ويجب إصلاحه، مستنداً بقوة ومعتمداً بمهارة وحرص على ثقافته الواسعة وخبرته الأكاديمية في مجال البحث، وسيرته الأدبية فهو شاعر له مجموعاته الشعرية المتميزة، وهو ناقد أدبي ومترجم، وباحث أكاديمي درس القرآن الكريم واللغات وبعد حصوله على ماجستير في الفلسفة، أنجز بحثه في مرحلة الدكتورة عن نظرية الثقافة وفنون التواصل، وقدم للمكتبة عشرات الكتب في عدد من صنوف المعرفة الإنسانية.

كتاب بيان ضد الكهنوت الإسلامي صدرت طبعته الأولى في أكتوبر2016 عن دار تانيت للنشر والدراسات عدد صفحاته 64 صفحة قسمها المؤلف إلى خمسة عشر مقطعا وبفهرس مقسم أيضا الى خمسة عشر فقرة تقدم فكرة عن مضمون الكتاب، مع هوامش مفسرة مضمونها لا يقل أهمية عن سطور الكتاب الرئيسية.

في بيانه ضد الكهنوت الإسلامي يقترب عبدالمنعم المحجوب ليلامس بعض الخطوط الحمر، التي قد يؤدي مجرد التلويح بتفحصها والتأكد من مشروعيتها إلى عواقب لا يحمد عقباها، خصوصاً وهو يعيش في مجتمع يضع تابوهات وسواتر ملغومة، تضرّ ولا تتردد في تكفير التنويري أو الليبرالي أو العلماني، أو اليساري لأنه مسّ الثوابت، وشكّك في أجزاء من موروث تاريخي صرف، لا علاقة لبعض منه إطلاقاً بالدين السماوي، هذا الموروث الذي يجزم المؤلف أنه نتاج ( مدارس اجتماعية سيطر عليها خطاب عاجز يحيل مصائب الدنيا إلى المغفرة في الآخرة ويكافئ الفقراء بجنة الخلد)

ولم يكتف المؤلف بالاقتراب من هذه الخطوط الحمراء رغم معرفته بعواقب ما يفعل إذ يقرر في المقطع العاشر من الكتاب أن حيثيات الحكم وأسبابه لمن يجاهر بالنقد جاهزة وبالمقاس فيقول(… أما الآن، وباسم التأصيل والعودة إلى الجذور، فأن التهمة نمطية والجزاء واضح: الردة أو الإلحاد وإقامة الحد ..!!) ورغم ذلك يمضي منعم بشدة وشجاعة رافعاً المشعل متجاوزاً الخوف ليأخذه منهجه الصارم في الكتاب إلى ممارسة حقه المعرفي الكامل في التشكيك في عدم مشروعية ولا جدوى أن يتم استخدام نصوص القران الكريم لتكون الأساس الذي لا قبله ولا بعده كمعرف بهذا الدين السماوي خاتم الرسالات السماوية لمن يؤمن بتعاليمه، فيرى المؤلف في مقطع الكتاب الأخير أن ( جريرة إسقاط الرموز القرآنية على حقول أخرى غير الحقل الديني نفسه من شأنها أن تؤدي إلى تسويغ الهلاوس السياسية والاجتماعية واستخدام الآيات – القرآنية – لتبرير ظواهر شاذة تبيح العنف والقمع)

وتأسيساً على المسلمة البديهية القائلة باستحالة فهم ما يحدث في الحاضر دون الرجوع إلى الماضي وظّف عبدالمنعم المحجوب المنهج التاريخي في هذا الكتاب مستعرضاً في كثير من سطوره بعض ملامح عصر الإسلام الأول والوسيط مروراً بالحديث والمعاصر ليكشف بحيادية أن بعض الموروث في الإسلام هو نتاج معقد لتراكمات تغولت مع مرور الزمن وأضفى مَن عنده مصلحة في عدم نقدها لتكون سلاحه ومطرقته التي يدق بها رقاب من يستخدم النقد منهجه في تمحيص وتفصيص النص الديني .

وتشبت المحجوب في كتابه بالنقد الموضوعي لتفحص هذا الموروث، ولذلك تعمد أن يكشف في بيانه أكثر من مرة على أهمية المنهج النقدي ووجوب الاستناد على قواعده فيقول ( عندما نخضع الأفكار المستمدة من الدين للنقد والتفكير فإننا نخلصها من سياجها، ولن يستمر الدين ما لم يكن مجرداً من الزوائد التي أضيفت له على مر القرون)

لذلك فلا شيء عند منعم محجوب (يمكنه أن يتحصن ضد النقد أو يكون بمعزل عن التحليل) بل يذهب إلى أبعد من ذلك مبيناً في بيانه ضد الكهنوت أن (الأجدر أن تكون العلة الأولى وفكرة الله هما أول شريحتين توضعان تحت هذا المجهر)

الكتاب شن هجوماً شديداً على علماء الدين ورثة الأنبياء الذي وصفهم بأنهم (فئة من العصابيين الذين لا يعون شيئاً خارج اجترار القرآن والأحاديث ومع ذلك يطلقون على أنفسهم اسم العلماء ويعرفون بهذا الاسم بين العامة الذين تملأ الهيبة قلوبهم فيكادون يسجدون تقديساً لهذه الآلهة الزائفة)

وأحسب أن شيئاً من التعميم قد وقع فيه مؤلف الكتاب، وبالغ كثيراً في إضفاء صفة الألوهية الزائفة من جانب من يحترم الفقهاء وعلماء الدين على حد سواء وغفل عن حاجة المسلم بشكل مخصوص للفقيه والعالم في مجال الدين الإسلامي وما يشمله من عقائد وعبادات ومعاملات، دون الحاجة لتقديسه والمبالغة في تقديره، وأنه حتى في عهد الخلفاء الراشدين تمت الاستعانة بالقاضي والفقيه وحضوا بتكريم، لكنه في حدود وغير مبالغ فيه.

من جانب آخر فالمبالغة في تكريم البشر يكاد يكون طبيعة إنسانية فنرى التوسل والمبالغة في الحفاوة والتقدير والإعجاب بالحاكم وشيخ القبيلة وحتى بالمغني وبلاعب الكرة ناهيك عن تبجيل إمام المسجد والمعلم والفقيه وحتى المفتي مع اتفاقي الكامل مع المؤلف بخطورة أن لا يتم حشر المصالح الدنيوية السياسية أو الاجتماعية ليكتسي هذا الفعل خوفا من أمير الجماعة الذي تحول لشيخ وعالم ومفتي وصاحب سلطة ونفوذ اكتسبهما بقوة سلاح أو بغيره أو حافظ على استمرارهما بتنصيب نفسه نائبا عن الله في الأرض يحلل ويحرم بحسب مصلحته ومصلحة من يحميه، وربما غفل المؤلف أيضاً إلى أن هذا الفقيه في الإسلام ليس شرطاً أن يكون بابا وكاهناً، فباب التبحر في فقه الدين الإسلامي والوصول لمرتبة الأمام أو المفتي أو الفقيه أو العالم تفسّر على عكس المسيحية وباقي الأديان التي تضع شروطاً لتولي هذا المنصب إن صحت هذه التسمية، بل تشجع تعاليم الإسلام على التبحر في العلم الديني والدنيوي على نفس النسق وبدون احتكار من أحد.

في المقطع الثالث عشر يشنً المحجوب هجوماً أقل حدة على ما يعرف بالإعجاز العلمي في القرآن ويفنده ويرى أنه (نوع من الكوميديا السوداء التي تدفع بك إلى الضحك وأنت على وشك البكاء) مستشهداً بما قاله محمد أركون من أن القرآن الكريم ليس كتاباً في الفيزياء ولا في الكيمياء ولا في الاقتصاد ولا الاجتماع ولا السياسة.

قرأت الكتاب مرتين ونصف وبعض مفرداته عسيرة الفهم على القارئ العادي، وبذا يمكن الجزم بأن المحجوب وجه بيانه للصفوة (الانتيلجينسيا) المثقفة بل الغزيرة الثقافة فمن يضمن لقارئ عادي مثلي أن يفهم ويعرف (نظام الأكليروس، الميثودولوجيا التاريخانية، التحقيب الكلاسيكي، التراث الديماغوجي العصبوي، العائق الابستمولوجي، التوجيه الثيولوجي والايحاء السيكوباثي، الايثيكيا الفقهية، الإيمان الغنوصي…) وغيرها من المفردات.

وأخيراً يبقى كتاب بيان ضد الكهنوت الإسلامي كتاباً قيماً جديراً بالقراءة المتمعنة الفاحصة، وقد أضاف الجديد للمكتبة وللمعرفة الإنسانية، وهو نوافذ مشرعة وتأسيسية أحكم بناءها مفكر يحترم ما يكتب فحجز هذا الكتاب مكانه ليكون محور اهتمام الباحثين وبصيصاً من ضوء يصلح جداً ليكون بداية لدراسات سوسيولوجية معمقة في هذا المجال الذي يكتنفه الغموض وتسكنه العتمة. لقد حاز صديقي منعم المحجوب قصب السبق الليبي ليشعل شمعته ويداري عنها الأنواء في هذا الوقت العصيب.

 

 

شاهد أيضاً

7

لافروف يلتقي نظيره الليبي في موسكو

أفادت وكالة “نوفوستي” بأن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف سيلتقي اليوم الثلاثاء بوزير الخارجية في …

أضف تعليقاً