الرئيسية / مقالات / بين المرحوم الجابري و الصوفية … التسيس و المآنسة  // رافد علي
2

بين المرحوم الجابري و الصوفية … التسيس و المآنسة  // رافد علي

يتخذ المفكر المرحوم محمد عابد الجابري في مشروعه الفكري نقد العقل العربي موقفا مضادا من الصوفية كونها ترتكز علي عامل العرفان ، الذي يعتبره الجابري عاملا دخيلا علي الثقافة العربية لتبني عليه الصوفية بنيتها الفكرية و فلسفتها للعلوم ” الإبيستمولوجيا ” ، بما اعتبره الجابري أنه حالة تحول دون الصوفية و آهليتها للنهوض بأعباء اللحاق بركب الحداثة في المجتمعات الإسلامية التي ظلت هاجسا يطمح إليه الجابري ضمن رحلة عطائه كفيلسوف و مفكر. و العرفان بطريقة مبسطة لشرحه هو عنصر الخرافة التي تتضمنها المنظومة الصوفية في بنيتها الفكرية بما يجعلها حالة توظف اللامعقوليات في شرحها لرؤياها للأشياء ، أو تصوغها لتبرير منهاجها و تصوراتها.

لم تلقى أطروحة الجابري الفكرية كل الترحيب من بعض أطياف الفكر و الإيديولوجيا بعالمنا العربي ، و لم يسلم طرحه من النقد و الاتهام و الاعتراض علي امتداد عمله بمشروعه الفكري الذي دشنه بصدور كتابه ” نحن و التراث ” في إبريل عام 1980 كطبعة أولي. فقد وقف من الصف الصوفي الدكتور طه عبدالرحمن موقفا مناقضا للجابري منذ عام 1978 ، و هي السنة التي تكاشف فيها الرجلان علميا علي هامش لقاءات و ندوات علمية أقيمت بالدار البيضاء كما يشير عبد النبي الحري في بحثه ” طه عبدالرحمن و محمد عابد الجابري .. صراع المشرعين علي أرض الحكمة الرشدية ، و المنشور عام 2014 عن الشبكة العربية للأبحاث و النشر ببيروت.

الدكتور طه استبعد منذ البداية منهجية ابن رشد الذي يعتبره الجابري رمزا لمشروعه الذي يتعاطي مع همومنا المعاصرة أيديولوجيا ضمن منظومة التراث الإسلامي ، فعبدالرحمن ظل علي امتداد السنوات اللاحقة لإنطاق ” نحن و التراث ” يعتبر أن الفلسفة الصوفية داعمة كفيلة بأن تبني العقل العربي بشكل أخلاقي مستقل ، فالرشدية ، بحسب رأيه ، كمنهجية فلسفية انطلاقا من ابن باجة لسنا بحاجة إليها باعتبارها جمع مقتبسات من آخرين. في حين أن الجابري اعتبر أن المدرسة الفلسفية بالمشرق الإسلامي ” المدرسة الشرقية ” قد تعلقت بفكر ابن سيناء الذي أقام بنيته الفلسفية و الفكرية علي النهج الفلكي لبطليموس اليوناني لأجل محاولة التوفيق بين الدين و الفلسفة ، هذا التوفيق الذي لم يكن مسعا للمدرسة الفلسفية المغربية بالأندلس لا فكرا و لا سياسة. فالأندلس لتبني هويتها الفكرية – كدولة- لم تكن مستعدة لتبني التوجه البياني العباسي و لا العرفاني الفاطمي كمنافسين سياسيا ، كما يبن الجابري حينما تحدث عن ” الزمن الأيديولوجي ” للدويلات الإسلامية المتنافسة فيما بينها في كتابه “تكوين العقل العربي” الصادر عام 1984 ببيروت ، و الذي جعل من الجابري حاضرا بقوة في قضايا الفكر العربي المعاصر.

لم يقتنع طه عبدالرحمن كصوفي بأفكار الجابري ، و ظلا في حالة نزاع فكري و نقدي صارخ ، إلا أنه للأسف انعدمت فيه بينهما حالة مواجهة حوارية مفتوحة بسبب تفضيل الجابري بعدم الخوض بالمناقشة كأسلوب اعتمده مع جميع نقاده و الذي كان من أبرزهم المرحوم جورج طرابيشي ، و الذي شارك الجابري في التوجه الحداثوي إﻻ انهما يختلفان في التفاصيل. لم يقتنع الدكتور طه بإغفاله لعدم منطقية الصوفية و ذلك لتمسكها بالخرافة ، و مصرا بذات اللحظة علي أن الصوفية بتراثها اﻷخلاقي قادرة لأن تكون بديلا للسياسة في مشروع النهضة ، و بالتالي أمسى طه بذلك يتغافل بقصد عن الظرف السياسي الذي أوجد التصوف الإسلامي الشيعي و السني .فالإسماعيلية بعرفانها كانت حالة انفصال ممنهج للشيعة عن التصوف الإسلامي – السني كما عرف ﻻحقا – بكل هرمسيته و لامعقوليته بقصد تحدي المنافس العباسي أصحاب النهج البياني ، و انهمك الدكتور عبد الرحمن في مشروعه ماضيا يدعو لتأسيس تقول فلسفي حديث للصوفية مبنيا علي أخلاق صوفية بحثة.

بعبارة أكثر تركيزا يمكن القول أن التضارب بين الجابري و عبدالرحمن يكمن في أن المنهجية بينهما تنصب حول فكرة التسيس للأول و المآنسة للثاني. فالجابري ظل مشغولا دائما بخلط الفلسفة بالسياسة ، إذ أنه كان يناشد تجاوز واقع التأخر التاريخي من بوابة الهم السياسي ، في حين أن طه عبدالرحمن ظل مشغولا بهاجس معرفي يتصل أساسا بتحرر القول الفلسفي العربي من آفتي “التبعية و التقليد” و إنشاء تصور بديل للحداثة. لكن هذا الانشغال المعرفي للدكتور طه عبدالرحمن في اشتغاله بما أسماه ” بمنطق الخطاب ” قد جعله يظل خارج حركية التاريخ و مفعول السياسة مما عاب نتائج مشروعه الفكري رغم مقدماته المنطقية الصارمة في أطروحته ” تجديد المنهج في تقويم التراث” كما يري الدكتور إدريس جبري في مساهمته البحثية في كتاب ” التراث و الحداثة في المشروع الفكري لمحمد عابد الجابري ” و الصادر عن دار التوحيدي بسنة 2012 بالمغرب.

 

 

شاهد أيضاً

32561156_1697402547022988_7361543979357175808_n

لماذا شاركت في مؤتمر داكار؟ // د.المبروك درباش

شاركتُ في مؤتمر داكار، والذي دعت له دولة السنغال، عضو الإتحاد الإفريقي. ملخص أهدافنا الأولية …

أضف تعليقاً