الرئيسية / مقالات / تونس بلد مثلنا // سالم القطعاني
27332139_1800507046649119_6549575261868809906_n-277x330-1

تونس بلد مثلنا // سالم القطعاني

وناسه أيضا مثلنا . فناسه فقط 11 مليون مواطن ، ومساحته صغيرة تقدر بحوالي163,610 ﻛﻢ 2، ومستوى اقتصاده ضعيف . لكنه الإستثناء الذي يثبت القاعدة ، قاعدة أن تونس حاضرة التقدم والحداثة في التشريعات والحقوق والديمقراطية.

فبعد الربيع العربي الذي كان بردا وسلاما عليها، وجحيما خريفا على دول أخرى . مضى تحولها قدما وبهدوء نحو الديمقراطية ،ولم تشهد احترابا أهليا كما في ليبيا وسوريا واليمن أو حتى صراعا سياسيا حادا كما في مصر .

تونس بلد مختلف ، منذ أن ترأسها بورقيبه ، كان الإختلاف واضحا، فحين التقى “بورقيبه” “بالقذافي” طرح الأخير أفكاره اللحظية الورقية آنذاك عن الوحدة .

وقد ظهر جليا ،مدى الفارق النوعي في العقلية الحاكمة، إذ قال “بورقيبه” حينها أن ما نحتاجه ليس إضافة مليون ليبي لخمسة مليون تونسي، بل نحتاج لتغير “أدمغة” والأخذ بأسباب التطور العلمي والتكنولوجي .

هذه تونس التي خلفها “بورقيبه” تركت أثرها في أخوانه المسلمين الذين ليسوا كغيرهم ، فسرعان ما انسحبت حركة النهضة من السلطة رغم أغلبيتها البرلمانية، كانت سياسة تونسية فوق إخوانية ، الجو كان مشحونا وملبد بكراهية الإسلاميين .

عندما أُستضيف “راشد الغنوشي”زعيم حركة النهضة الإخوانية، في “قناة الجزيرة الفضائية” سأله المذيع عن موقفه من أزلام النظام السابق؟ رد الغنوشي قائلا . “أنا أتحفظ على وصف شركائي في الوطن بالأزلام” كان يعرف بأن المذيع يقصد حزب نداء تونس، في حين آخر أعلن صراحة في بلدنا بأن من ينتخب “حزب تحالف القوى الوطنية” ذو التوجه الليبيرالي فقد “كفر”.

ما يميزنا عن تونس هو العقلية التسامحية، نعم تونس بلد مثلنا، لكنه غير ففي ثورة الياسمين، كان جيشه أيضا جيشا غير انحاز لخيار الشعب في إسقاط الديكتاتورية، كان الجنرال “رشيد عمار” وقتها رئيس أركان البرية ، أعلن بأن الجيش “حامي الثورة” وعندما حدث الإعتصام أمام مبنى الحكومة بالعاصمة، لم يرمي رصاصة واحدة .

خاطب هذا الجنرال الحق وليس كغيره المتظاهرين قائلا” ﻻ ﺗﻀﻴﻌﻮﺍ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﺠﻴﺪﺓ، ﺃﻧﺎ ﺻﺎﺩﻕ ﻭﻛﻞ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ ﺻﺎﺩﻗﺔ ﻟﻜﻲ ﺗﺼﻞ ﺑﺎﻟﺴﻔﻴﻨﺔ ﺇﻟﻰ ﺷﺎﻃﺊ ﺍﻟﺴﻼﻡ ‏”، ﻭﺣﻴﻦ ﺳﺄﻟﻪ ﺃﺣﺪ ﺍﻟﻤﺘﻈﺎﻫﺮﻳﻦ ﻋﻦ ﺍﻟﻀﻤﺎﻧﺎﺕ، ﺃﺟﺎﺏ ‏« ﺃﻧﺎ ﻫﻮ .. ﺃﻧﺎ ﻫﻮ ” وقد تكررت مطالبات شاذة تدعم انقلابا عسكريا سنة 2012 وسط اضطرابات سياسية، إلا أن الرفض تجدد بأن الجيش “حامي التشريع” في حين يسعى آخرون في بلدنا لعسكرة الدولة بدل الكفاح من أجل تمدنها .

جيش تونس لم تكتسحه الأدلجات القومية الناصرية، وليس ضباطه يحكمون كما الحال في الجزائر، الذين لو رفع رئيس بلدهم “بوتفليقة” فنجان قهوة لاحتفلوا، وهذا ما يجعل جيشه محايدا لبلد كسر حتى قاعدة نظريات التحول السياسي، فهو ليس رأسماليا، ولا طبقة وسطى تحترف ثقافة التصنيع، ولكنه أنجز الإنتقال الديمقراطي بنجاح .

أننا لا نتكلم عن أفراد ونخب بل وعن عقل جمعي أنتج حرصا واعيا على الدولة، تمثل في “الحوار الوطني” الذي أدى فيما بعد لتسريع المصادقة على الدستور بأغلبية 200 من أصل 216 ، فيما هاهو بلدنا يدشن عامه الخامس في انتظار الدستور، قلة إمكانياتها الطبيعة من مخزون الخام بعكس ما يحفل به جيرانها، لم يمنعها من أن تكون متقدمة في الحقوق الإجتماعية، وأقل فسادا من محيطها، . فعدد موظفي قطاعه العام “نصف مليون موظف” مقارنة ببلدنا “مليون ونصف” أيضا تلعب فيه قوى المجتمع المدني والنقابي دورا مهما، من لا يعرف نقابة “الإتحاد التونسي للشغل” . من يجرأ أن يشتغل في السياسية والاقتصاد على هواه، وأمامه نصف مليون موظف فغدا يضرب العمال وتتعطل كل المصالح . هكذا نقابات مدنية حركية عمليا. هي حامي الديمقراطية والنظام من أجل الوطن. وقد كان لها دور حاسم في الإطاحة بــ”زين العابدين بن علي”خلال ثورة الياسمين. الياسمين في تونس. حيث يخلوا على مد سنوات وسنوات من ذاكرة حرب أهلية إذ يسوده الوئام الإجتماعي . وحقوق المواطنة لكل مواطن ذكرا وأنثى، والأنثى في تونس، أنثى مثل التي عندنا . لكن حقوقها شبه مستوفاة هناك المرأة لا تمييز بينها وبين الرجل . حقوق وصلت لحد أدانة فيه السلطات الحامية للأرثذوكسية عبر العالم الإسلامي . كمؤسسة الأزهر . ما أعتبرته مخالفا للشريعة .

وقد أقرت تلك الحقوق حزمة قوانين منها مايعفي الزوجة من أخذ إذن السفر من زوجها وهيا معها أبنها . وألغت زواج الضحية من المغتصب . وكذلك عدم جواز زواج الغير مسلم من المسلمة التونسية . ولم يتكلم أحد في تونس . لم تشتعل ضجة أجتماعية . ولم يقل أحد عودوا للسلف . فالأصوليات لا تأكل عقل هذا البلد كثيرا . وفي جرأة نادرة المثال . دعا رئيسه” الباجي قائد السبسي” مؤخرا . إلى إقرار المساواة التامة بين الجنسين في الميراث . وإذ كانت هذه الدعوة مغازلة سياسية من “السبسي” .  فإنه لن يخفى على أحد مدى تأثير الصوت النسوي في تونس . فشبه النصف من أستاذية الجامعات هم نساء . إضافة لأن المرأة رائدة في أدارة المشروعات والشركات . ما يحقق لها أستقلالية . تونس القرطاجية . تحتل الدولة الأولى مغاربيا في الحقوق النسوية .  تحتل أيضا الأولى عربيا وأفريقيا في مؤشر “الإبتكار” لهذه السنة 2018. وﺍﻟﻤﺮﺗﺒﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ ﻭﺍﻷﺭﺑﻌﻮﻥ ﻋﺎﻟﻤﻴﺎ ﻭﻓﻖ ﻣﺆﺷﺮ “ ﺑﻠﻮﻣﺒﺮﺝ ”.  رغم قلة إمكانياتها أيها السادة . أستطاعت أستقطاب الدخل عبر السياحة . بإستغلال المناخ المتوسطي . ويبدو أن فرادة تونس وأختلافها. يرجع لتنوع أعراقها . وعدم بدائية تكوينها الإجتماعي . كما في بلدنا القبلي القاعدية إجتماعيا . فتونس مثرية بأسر وأعراق مختلفة من أندلسية وأمازيغ وأتراك وعرب وغيرهم . ويعيش اليهود في “جربه” و”جرجيس” ويمارسون طقوسهم . ولم يطردهم أحد . كما طردوا في بلدنا منتصف الستينات . أننا لا يمكن أن نقارن بلدنا بعالم ما وراء البحار . قبل أن نعرف كيف نختلف عن تونس وتونس بلد مثلنا .

 

شاهد أيضاً

37199674_273429833423007_8897455633373069312_n

“لن تكون دولة ” // أيمن المبروك

هذا ما قُلته إبان إطلالة أنياب السنة الرمادية 2013 و التي تلت السنة 2012 التي …

أضف تعليقاً