الرئيسية / مقالات / خلفيات التوتر بين باريس و برازيليا // رافد علي
28-660x330

خلفيات التوتر بين باريس و برازيليا // رافد علي

 

المناوشات الكلامية بين الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون و البرازيلي جايير بولسونارو علي هامش انعقاد قمة الدول السبع بفرنسا مؤخرا لم تزدها أزمة حرائق الأمازون الحالية إلا لهيبا وسط التسليط الإعلامي علي محفل لقاء القمة لأكبر دول العالم صناعة بمدينة بيارتس بجنوب غرب فرنسا قبل أيام، فالتوتر بين باريس و برازيليا كان هو سيد الموقف منذ أواخر شهر يونيو من العام الماضي عندما رحب ماكرون في اوساكا اليابانية بتحفظ شديد و مباشر بالاتفاق التجاري الذي عقد بين الاتحاد الأوربي و منظمة ماركوسور الجنوب أمريكية.

الرئيس بولسونارو؛ الذي تعد بلاده اكبر عضو اقتصادي بالمنظمة المذكورة بعد الأرجنتين و الباراوغواي و اللاورغواي، لم ترق له تصريحات ماكرون في حينه عند أعرب الأول عن ” الحذر في متابعة تنفيذه” كونه لا يصب في صالح المزارع الأوربي الذي يمتلك لوبي ضخم الإمكانيات وقوي جدا في فرنسا و لعب دورا في عرقلة إتمام المصادقة الأوربية على الاتفاق حتى اللحظة رغما عن كون الاتفاق يوصف بالسابقة التاريخية في أبعاده للطرفين فيه والذي استغرق التفاوض حوله أكثر من عقدين.

و تبدو دلالات تأثير اللوبي الزراعي علي نهج ماكرون في التحفظ على الاتفاق المذكور منذ البداية من خلال حديثه عن ضرورة احترام الحصص التجارية لمزارعي الأبقار والسكر بأوروبا. فالاتفاق بين الاتحاد الأوربي و ماركوسور يسمح بتدفق مائة ألف طن من لحوم البقر من دول أمريكا الجنوبية الأربع من دون فرض رسوم جمركية عليها بما يشكل تهديدا للمزارع الأوربي الذي سيجد نفسه في منافسة غير عادلة.

جايير ؛ الذي الغي لقاءا بوزير الخارجية الفرنسية لابغيون أثناء زيارته الأخيرة للبرازيل منذ أسابيع قليلة ، و فضل جايير الإشهار بذهابه لقص شعره عوضا عن ذلك في رسالة مهينة لباريس، لم يستصيغ توجهات ماكرون الأخيرة لمحاولته تدويل قضية حرائق الأمازون على هامش قمة السبع الأخيرة في فرنسا إذ صرح قائلا: “إن إقتراح فرنسا بمناقشة القضية بعيدا عن مشاركة دول المنطقة-جيران البرازيل بمن فيهم كولومبيا و بوليفيا المنضمتان لماركوسور لاحقا- يعد استحضارا لعقلية إستعمارية عفي عنها الزمن”. جايير في تصريحه هذا يعول علي تكتل ماركوسور باعتباره منظمة تعمل علي تثبيت دعائم الديمقراطية في أمريكا اللاتينية  بقوة، ففي عام 1999شهد العالم مدي نجاحها في حماية النظام البرلماني و الديمقراطي في باراغواي ضد محاولة انقلابية، و لعل هذا ما يفسر وصف بولسونارو المسعي الفرنسي بأنه استحضار لعقلية استعمارية قديمة تمارس السياسة بتجنيب الآخر من جهة و من خلال التعالي علي حيثيات ماهو كائن علي ارض اليوم.

من الملفت للانتباه ان بولسونارو كشعبوي يتحرك ضمن حس شعبي كبير ببلاده يحلم بخلق برازيل فاعل و ناشط عالميا و يتمتع بدور أكبر في السياسة الدولية و اقتصاديات العالم، فقد لعبت البرازيل منذ سنوات دورا هاما في تطوير آليات منظمات دولية ، كمنظمة التجارة العالمية و البنك الدولي و لازالت تنادي بتغير آليات تمثيل مجلس الأمن للأمم المتحدة من خلال توسيع العضوية الدائمة فيه كخطوة أساسية. كما نجحت البرازيل خلال العقدين الأخيرين من أن تبقي ضمن العشر الأوائل إقتصاديا. بغض النظر علي شعبوية الرئيس جايير وأسلوبه في فتح باب التهكم بعيدا عن اللباقة الدبلوماسية وأعرافها، فلابد من الإشارة إلي إن الحساسية بينه وبين ماكرون وليدة تراكمات تنافسية بين البلدين، فالمنافسة البرازيلية لفرنسا لها أبعادها و خصوصا في القارة الإفريقية، فشركة اود يبريكيت للإعمار قامت و تقوم بمشاريع كثيرة في عدد من بلدان إفريقيا، و لشركة جي بي إس فري بوي سويفت التي تنشط في دول افريقية عديدة منها مصر أضحت تتربع علي ما يفوق الخمسين في المائة من أسواق اللحوم في العالم، كما أن البرازيل تتحرك ومنذ سنوات لان تكون زعيما إقتصاديا في جمهورية انجولا الغنية بمواردها المتنوعة و المستعمرة البرتغالية سابقا حسب ما يري بيرناندو كوساكوف الخبير الاقتصادي في الأمم المتحدة سابقا. خفايا التوتر و المشاحنات حتما ستستمر في ظل صعود الشعبوية المقترنة بطموح جارف لتغير المشهد لا بدولها فحسب بل و في سياسة العالم مالم يقدم أبناء الإرث القديم تسويات مرضية.

شاهد أيضاً

32105626_2066305876953296_1876242856801206272_n-509x330-1-1-1-1

بعض الظن إثم.. وغباء أيضا // جمال الزائدي

  إعادة رسم الخرائط السياسية في العالم العربي وفق مخططات وثيقة برنار لويس المعتمدة من …

أضف تعليقاً