الرئيسية / تحليلات / دروس التدخّل الخاطئة : أوباما تعلّم الدّرس.. فماذا سيفعل الرئيس القادم؟
US President Barack Obama pauses while speaking after meeting with elected officials, community leaders and law enforcement officials on building trust in communities after Ferguson unrest on December 1, 2014 at the Eisenhower Executive Office Building, next to the White House, in Washington, DC. AFP PHOTO/Mandel NGAN        (Photo credit should read MANDEL NGAN/AFP/Getty Images)
US President Barack Obama pauses while speaking after meeting with elected officials, community leaders and law enforcement officials on building trust in communities after Ferguson unrest on December 1, 2014 at the Eisenhower Executive Office Building, next to the White House, in Washington, DC. AFP PHOTO/Mandel NGAN (Photo credit should read MANDEL NGAN/AFP/Getty Images)

دروس التدخّل الخاطئة : أوباما تعلّم الدّرس.. فماذا سيفعل الرئيس القادم؟

  • سومانترا ميترا ترجمة: المركز الليبي لدراسات المستقبل info@lcfs.ly قال الرئيس أوباما في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز (الأحد 24 أبريل) أن التدخل في ليبيا عام 2011 كان أكبر كارثة وأسوأ خطأ في رئاسته. واعتذر عن عدم وجود تخطيط لما بعد التدخّل، لا عن التدخّل في حد ذاته، مضيفا أن التدخل في ليبيا “كان هو الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله”. الآن تكثر الشائعات حول استعداد أوروبا مرةً أخرى للتدخل في ليبيا، ومن الجدير بالاعتبار هنا تحليل دروس التدخل السابق. يعتبر التدخل في ليبيا – كما يمكن القول – كارثياً. وقد أتاح موطئ قدم لتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، وزعزع كامل الشريط الساحلي الذي يبعد أميالاً فقط عن أوروبا، وجعل المنطقة بأكملها أرضية انطلاق لمهربي البشر المتربّحين من الاتجار بالمهاجرين، ليس من الشرق الأوسط فقط، بل من مناطق أبعد من ذلك مثل ساحل العاج وسيراليون، وباكستان. كنت قد دوّنت – كمبتدئ مهتمّ بالشؤون الخارجية – منذ خمس سنوات، وذكرت أنه من غير الحكمة الغرق في ليبيا. وهناك أكاديميون مثل ستيفن والت Stephen Walt، ميكا زينكو Micah Zenko، وآخرون، قد حذّروا مراراً وتكراراً من التدخل في ليبيا. لم يكن هناك أي شك في أن القذافي كان فظّاً. لقد كان زعيماً مستبداً وعلمانياً حكم ليبيا بقبضة من حديد. وكانت هناك شكاوى حول الرفاه العام لليبيين وحول الركود الاقتصادي، لكن وبشكل عام، كانت ليبيا جزيرة من الاستقرار خاصةً عندما نقارنها بدول الجوار المحيطة بها. ولكنها كانت – مع ذلك – واحدة من أوائل الدول المارقة خلال الثمانينيات والتسعينيات. أما مصير صدام حسين فقد جعله يدرك أنه يحتاج إلى إعادة النظر في نهجه العدائي للغرب. وعلى هذا النحو، تخلّى القذافي عن برنامجه للأسلحة النووية وساعد في التصدي للجهاديين والتعاون الاستخباراتي. سجلّ القذافي في مجال حقوق الإنسان كان مروّعاً، ولكنه من الناحية النوعية لم يكن مختلفاً عن حلفاء آخرين مثل تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان. وكان لا بد من التسامح مع تشتّته وتشدّقه في الأمم المتحدة – ولأكون محدداً – فإن ليبيا كانت حاسمة في تأمين الحدود القارية بين أفريقيا وأوروبا. وأخيراً فإن مجموعة صغيرة من المتطرفين بدعم من العناصر الإسلامية من جميع أنحاء العالم – بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية، شنت حملة وحشية وطائفية وقبلية ضد الدولة. كانت إدارة أوباما لا تزال حديثةً ومتفائلة بعد الاحتجاجات المصرية والإطاحة حسني مبارك. وقد انضمت واشنطن مع عدد من حلف شمال الأطلسي والحلفاء الأوروبيين لفرض قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بوقف إطلاق النار، ودعم القوى المناهضة للقذافي المتزايدة على الأرض. وبغض النظر عن نوايا التحالف، أدى التدخل في ليبيا إلى وفاة القذافي، وأثار عدم الاستقرار على نطاق واسع. والحرب الأهلية التي تلت ذلك تحتدم حتى يومنا هذا، وليبيا الآن هي ساحة قتال للقوات الإسلامية المتنافسة. والعالم يشاهد هذه الكارثة الإنسانية برعب، كما يفرّ المهاجرون عبر السواحل غير المحروسة مخاطرين بحياتهم لعبور البحر المتوسط إلى أوروبا. يمكننا القول أن التدخل في ليبيا كان أول اختبار لإدارة أوباما في “إعادة ضبط” العلاقات مع روسيا، والتي أعلن عنها عام 2009. وكانت إعادة الضبط قد حسّنت العلاقات وأدت إلى تقليص الدفاعات الصاروخية الأمريكية في شرق أوروبا، وهي خطوة أشادت بها روسيا. ونتيجة لذلك، تراجعت روسيا وامتنعت عن الاعتراض على قرار مجلس الأمن الدولي وأجازت حماية المدنيين من القذافي. ولكن المهمة تحولت إلى تغيير للنظام فأدت إلى توتّر الكرملين، كما اتضح من تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف اللاذعة بشأن تجنيب سوريا مصير ليبيا. وعلاوة على ذلك، نشأ جدل بنيوي حول التدخل الليبي وأثّر في كل من موسكو وبكين بشأن كيفية إدارة الدولة الحديثة. وفي هذا الجدل كان المبدأ الواقعي الذي يقول “القوة هي الحق” “might is right” قد انعكس على السلوك الروسي في أوروبا الشرقية، وحتى في سوريا. حاول الرئيس أوباما أن يقاوم إغراء التدخل في ليبيا، لكنه كان متأثراً بأوروبا وواقعاً تحت تأثير مستشاريه الخاصين. وبعد خمس سنوات من الانتفاضة، حيث بالكاد يتم التعرف على الدولة الليبية، فإن الواقعيين ما زالوا معارضين له وهم يتشككون في التدخل الإنساني، وفي مجتمع هش من الناحية التاريخية والقبلية، فإن التدخلات التي لا تمتلك خطة واضحة المعالم ومحددة لتشكيل حكومة ذات مصداقية ستخلق على الأرجح مزيداً من الأزمات الإنسانية في المستقبل. وتشير المؤشرات الحالية إلى تورّط أمريكي قادم لتحقيق الاستقرار في ليبيا، كما في قصف الطائرة الأمريكية لرتل تابع لتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، بما في ذلك أولئك المتورطين في مجزرة شاطئ البحر الأخيرة في تونس. ووفقا لوثائق مسربة، فإن الاتحاد الأوروبي يدرس إرسال قواته إلى ليبيا. ولن تكون وأوروبا حتماً قادرة على إدارة مثل هذا التدخل وحدها، وربما جرّت الولايات المتحدة أثناء الحملة الانتخابية. في مقال حول الشؤون الخارجية، كتب آلان كوبرمان Alan Kuperman أن “ليبيا كانت فشلاً ذريعاً، حتى بمعاييرها الخاصة. فليبيا لم تفشل فقط في التحول إلى الديمقراطية؛ بل تحولت إلى دولة فاشلة”. وقبل المزيد من التدّخل في ليبيا يتعين على صناع القرار أن يأخذوا بعين الاعتبار أنه لا يوجد أي دليل على أن تدخل الولايات المتحدة – والأوروبيين – سوف يحسّن أوضاع الحياة الإنسانية أو يحل أياً من المشكلات البنيوية في ليبيا. وستبقى ليبيا في العمق مجتمعاً منقسماً بشدة على أسس قبلية وعرقية، تعاني من الركود الاقتصادي والفساد المستشري. وفي مثل هذا الوضع، فإن تدخلاً آخر سيشعل فقط المشاعر المعادية للغرب، وهو الأمر الذي سيزيد من زعزعة استقرار الأوضاع ويساعد داعش على إعادة التجنيد والتجمّع. وإذا تم الاحتكام بدقة إلى تحليل التكاليف والمنافع، فإن تدخلاً آخر قد يؤدي إلى زيادة فرص الهجمات الإرهابية على الأراضي الأوروبية وهي مرتبطة بشكل مباشر بالمزيد من اللاجئين المتدفقين من السواحل الليبية الشمالية دون حراسة تذكر للحدود. ناهيك عن أنه سيكون مضيعة للملايين من الدولارات، دون أي مكاسب ملموسة على المدى القصير، وسيكون ذلك أمراً من الصعب تبريره للناخبين في أوروبا وأمريكا. أثناء تنفيذ التدخل في ليبيا، أوضح الرئيس أوباما – مرةً واحدة وإلى الأبد – أنه مثاليّ على نهج ويلسون Wilsonian idealist في نهاية الأمر. فأوباما ليس واقعياً، ولكن هناك طرق أخرى للتعامل مع الحروب الأهلية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي تعكس استراتيجيات كبرى مختلفة لاحتواء المنطقة. أوباما تعلّم – لنقل ذلك – الدروس الخاطئة من مغامرة إدارته. وإذا لم يتم استيعاب هذه الدروس من رؤساء الولايات المتحدة وصناع القرار في المستقبل فمن المحتمل جداً الاستمرار في ارتكاب نفس الأخطاء مراراً وتكراراً، ومن نافلة القول أن التدخّل في الشرق الأوسط يعني بكل تأكيد تعريض العلاقات مع القوى الأخرى للمغامرة والخطر. – سومانترا ميترا باحث دكتوراه بجامعة نوتينغهام، المملكة المتحدة. متخصص في السياسة الخارجية الروسية والواقعة الجديدة. – نشر هذا لمقال يوم 29 أبريل 2016.

أضف تعليقاً