الرئيسية / متابعات / زواج القاصرات: تعدٍ موصوف على مرحلة الطفولة
24824214_175791303007351_1038731736_n

زواج القاصرات: تعدٍ موصوف على مرحلة الطفولة

تقرير: انتصار الفلاني

25188194_175791289674019_482330048_n

تعد ظاهرة زواج القاصرات ظاهرة قديمة، حيث انتشرت في المجتمعات الفقيرة في معظم أنحاء العالم وفي المنطقة العربية التي ساهمت الظروف الاقتصادية الصعبة آنذاك لانتشارها.

ونجد في ليبيا عودة هذه الظاهرة للانتشار بعد انخفاضها وذلك بعد اندلاع ثورة فبراير، بل ازدادت وثيرتها حتى أصبحت ظاهرة اجتماعية، وتعددت أسبابها والتي أهمها العامل الديني، حيث أفتى الدعاة أنه لا يوجد أي مانع شرعي للزواج من الفتاة التي لم تبلغ سن الرشد، فنضج الفتاة في نظرهم بيولوجيا ولا أهمية للرشد والعقل والسن، مستدلين بزواج الرسول عليه الصلاة والسلام من السيدة عائشة وهي لم تبلغ الثانية عشر، وبالرغم من عدم وجود نص صريح شرعي يبيح ذلك، بل هناك من اعتبرها سنة يقتدى بها.

وأصبحت الفتاة لا ترفض فكرة الزواج مبكراً، حيث انتشرت هذه الرغبة بينهن، ظناً أن الزواج يحقق لهن أحلامهن في الانطلاق وإثبات الذات، كما أن الخوف من العنوسة والهروب من جحيم الأسرة وخلافات الآباء والأمهات ومع الأخوة، كان السبب الرئيس لقبولها لعروض زواج وعمرها لم يتجاوز 16 عاماً.

وتبقى الحقيقة والتي لا يمكن إغفالها أن السبب الرئيسي من الظهور الجديد لارتفاع نسبة الزواج المبكر للفتيات في ليبيا هي الأحداث التي أعقبت ثورة فبراير وسقوط النظام 2011 وانتشار الفوضى وغياب تنفيذ القوانين وأخذت جدلاً واسعاً وقتها في ليبيا وخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام حتى حسم المؤتمر الوطني العام السابق الجدل وبدون حسم في ذات الوقت وذلك بسن قانون يحدد الزواج للفتاة من الثامنة عشر مع ترك الحرية للقاضي في تقدير ومنح الإذن لزواج الفتاة دون سن الرشد ومهما كان سنها !!! أي إرضاء للحقوقيين والمدافعين عن حقوق الطفل ولدعاة وأنصار الزواج المبكر لفتيات وبكل تأكيد لن يجد أي قاض مانع شرعي يمنع الزواج وبالتالي قانون مفرح لدعاة شرعية الزواج المبكر.

وتقول اخصائية من الشؤون الاجتماعية السيدة (سناء محمد) إن الزواج هو المرحلة العمرية التي يكون فيها الشاب أو الفتاة مؤهلا لإقامة أسرة سعيدة متوازنة ويكون مهيأ نفسياً واجتماعيا وماديا لتكوين أسرة، ويبقى السن المناسب نسبي وليس محدد طبقا لظروف المجتمع، والظروف الخاصة بكل فرد، وبنظري أرى أن السن المناسب لزواج الفتاة يتراوح من سن الثانية والعشرين حتى الخامسة والعشرين، إذ تبلغ في هذه المرحلة النضج النفسي والصحي والاستقرار والقدرة على تحمل المسؤولية، وتكتسب الخبرات اللازمة من البيئة المحيطة، وأما السن المناسب لزواج الشاب فيجب أن يتراوح ما بين السادسة والعشرين والثانية والثلاثون .

وترى سناء محمد أن الفارق العمري بين الزوجين يجب أن يتراوح بين السبع والعشر سنوات، فالزواج الناجح يقوم على التقارب الفكري في الميول والاهتمامات والطاقات النفسية والاجتماعية والجسمية والروحية، فاحتمالات حدوث التقارب الفكري كبيرة عندما يكون الزوجان من جيل واحد وينبغي أيضا أن تكون الزوجة أصغر سنا من الزوج ،لاعتبارات جسدية وجنسية واجتماعية ونفسية.

وأضافت سناء محمود إذا كان الزوج يكبر المرأة كثيرا، فهذا يجعلهم أحيانا في آراء متصارعة ومتضاربة، وبعض الرجال الكبار بالسن تكون لديهم غيرة عنيفة على زوجاتهم الأصغر منهم بكثير، و يعتقد البعض أن إنجاب الأطفال يحدث توازنا بين الزوجين صغار السن، وقد يكون هذا صحيحا إلى حد ما ولكن من يضمن بقاء الحب بينهما، فمن الضروري جدا أن يتمتع الزوجان بالنضوج.

وذكرت الأخصائية سناء أسباب أخرى لتزويج القاصرات منها الثقافة العامة ،والضغوط الاجتماعية والدينية، فاعتقاد الأهل أن الزواج يحمي الفتاة، فالهدف الحقيقي وراء هذا السلوك أن تبقى تحت سلطة من يعيلها ويحميها وهذه النظرة مرتبطة بقناعة أن الزواج المبكر للفتاة أكثر ضمانا لشرفها وعفتها، وغالبا مالا يكترث الأهل لأبعاد وتأثيرات ذلك على بناتهم، وللمخاطر الناجمة عن هذا الزواج على الفتاة، اجتماعيا وصحيا ونفسيا، فالزواج المبكر لدى العديد من الأبناء هو كبح جماح طيش الفتى والتقليل من تهوره في الرذائل والانزلاق في الفواحش .

واعتبرت السيدة (سناء) أن الزواج المبكر يعد انتهاكا لحقوق الإنسان فالانعكاسات مدمرة وخطيرة جدا في عالمنا العربي، فهناك فتاة من أصل سبعة تتزوج قبل بلوغها الثامنة عشرة من عمرها، وهو ظلم للطفولة ويعد من الظواهر المرضية الاجتماعية الخطيرة والتي مازالت منتشرة حتى يومنا هذا ، ويرجع ذلك للعادات والتقاليد والتخلف والتقليد الأعمى لجيل الآباء والأجداد والاعتقاد بخرافات وأفكار خاطئة عن الحياة.

ومن الناحية النفسية والصحية، فيما يختص بالجانب النفسي أن زواج القاصر قد يتسبب بمعاناتها بسبب الحرمان العاطفي من حنان الوالدين، والحرمان من مرحلة الطفولة، فجسم الفتاة الصغير ليس مهيأ للتغيرات الفسيولوجية المصاحبة للحمل، ويعتبر هذا سببا رئيسيا في إصابتها بالأمراض النفسية كالاكتئاب والتوتر والقلق والأرق والوسواس القهري، وبالتالي قد يؤثر على العلاقة الزوجية،وهذا الاضطراب قد يضعها في موقع العاجزة عن تربية أبنائها بشكل سوي، لذا لا يمكن فصل الرابط بين الحالتين الجسدية والنفسية للفتاة، فكل منهما يؤثر على الآخر وإذا ما صح الجسد صحت النفس والعكس صحيح، أما عن الناحية الصحية : اضطرابات الدورة الشهرية وتأخر الحمل ،الإصابة بفقر الدم ، ازدياد معدلات الإجهاض والولادات المبكرة وذلك لخلل في الهرمونات الأنثوية، زيادة نسبة الإصابة بمرض هشاشة العظام في سن مبكرة نتيجة نقص الكالسيوم، زيادة العمليات القيصرية نتيجة تعسر الولادات في العمر المبكر ارتفاع نسبة الوفيات نتيجة المضاعفات المختلفة مع الحمل وعدم اكتمال نضج الجسدي للفتاة ويجعلها غير مؤهلة صحيا للحمل والولادة كما يؤدي ذلك لاضطرابات في العلاقات الجنسية بين الزوجين ناتج عن عدم إدراك الطفلة لطبيعة العلاقة ، وفيما يختص بصحة المواليد احتمالية معاناة هؤلاء الأطفال من عدد من المشكلات الصحية مثل اختناق الجنين وقصور في الجهاز التنفسي واعتلال الجهاز الهضمي بالإضافة إلى تأخر النمو الجسدي والعقلي .

25286911_175791036340711_1244826595_n

*زواج القاصرات من الجانب القانوني :

وتقول المحامية السيدة (جميلة الأمين بن عتيق) البداية جاء به القانون رقم 10لسنة 84 بشأن أحكام الزواج والطلاق وآثارهما لتنظيم العلاقة الزوجية وما يترب عنها ، حيث جعل من الزواج ميثاق شرعي يقوم على أسس من السكينة والمودة والرحمة ، ومن أهم شروط هذا الزواج الأهلية والتي وطبقا لنص المادة السادسة الفقرة (ب)حددها ببلوغ سن العشرين، وبموجب أحكام القانون رقم 14لسنة 2015بتعديل بعض أحكام القانون رقم(10)لسنة 84 والصادر عن المؤتمر الوطني عدلت الفقرة (ب)من المادة السادسة حيث جعل أهلية الزواج تكتمل ببلوغ سن الثامنة عشرة،وبالتالي يملك أهلية التقاضي أمام المحاكم .

وأن الفقرة (ب)من ذات القانون أعطت للمحكمة الحق في أن تأذن بالزواج لمن هن دون السن القانونية وإكمال الأهلية بعد موافقة ولي الأمر،ومن وجهة نظري كمحامية لأكثر من عشرين عام داخل أروقة المحاكم، أجد هذه الفقرة تشجع على زواج صغيرات السن في نظر القانون، هذه الرخصة في القانون والتي أعطت للمحكمة الحق في إعطاء الإذن بزواج من هن دون الثامنة عشر.

وأضافت (بن عتيق) قائلة : طفلة تقتلع من مقاعد الدراسة وتحرم من ممارسة طفولتها والاستمتاع بها مثلها مثل باقي الأطفال لتجد نفسها فجأة مسؤولة عن أسرة وزوج وأطفال لا تفقه أصول تربيتهم، مما سيؤدي إلى مشاكل نفسية للزوجة وقد تتطور هذه المشاكل ليحدث الطلاق بعد صولات وجولات ودعاوي بالمحكمة، ومن ثم تعود إلى بيت والدها وهي لازالت طفلة لم تكتمل أهليتها القانونية ومعها طفل أو طفلين أي أصبحت أم لأطفال وهي لازالت طفلة !! .

وفي عرض لآراء سيدات تزوجن في سن مبكرة:

نجد أن الحالة الأولى المعروضة في تقريري لسيدة مطلقة تزوجت في سن الخامسة عشرة من رجل يكبرها بأربعة عشرة عاما حيث عانت كثيرا من طلبات زوجها وأسرته، ولم تكن قادرة على تحمل المسؤولية مما سبب لها مشاكل كثيرة،إضافة إلى العنف الجنسي ،حيث أجهضت مرتان ، وتركت بعدها بيت الزوجية عائدة إلى أهلها، مقررة الانفصال عن زوجها وبدأت تعاني من القلق والاكتئاب حينها، رافضة فكرة الزواج مرة أخرى .

فيما لدى (س ق) تجربة مختلفة من حيث قبولها بالزواج في سن مبكرة حيث قالت وهي نادمة: تزوجت وأنا في سن السادسة عشر وكنت في الصف التاسع وأجبرت عائلتي وخاصة أمي والتي رفضت بشدة زواجي لتصدم بعمر العريس الذي كان مقاربا لعمرها.

وتابعت (س.ق) حديثها والدي إنسان مريض نفسياً، ولم يكن سبب قبولي بالزواج في تلك الفترة لسبب مادي ، فلقد كانت حالتنا المادية جيدة نوعا ما، بل كان السبب حب الفضول وتجربة الحياة الزوجية وإقامة حفلة عرس، ولا شيء آخر وهذا تفكير جل من هم في سني وحتى من تصغرني إضافة للتفكير في الجنس وأشياء أخرى غير واقعية.

وعادت (س ق) وحدثنا عن تجربتها في الزواج والتي قالت عنها إنها كانت مؤلمة بفارق السن الذي كان السبب الرئيسي للانفصال، حيث كبلني بقيود اعتقدت أني تحررت منها وتفاقمت المشاكل وخاصة مع زوجته الأولى وأبنائه وهنا تعترف (س ق) أنها على علم أنه متزوج، حتى تم الطلاق وعدت للبيت، وللأسف هناك فتيات أجبرن على الزواج ولا تستطيع طلب الطلاق وإن تطلقن فسوف ترفضهن أسرهن خوفاً من رفض المطلق دفع النفقة وغيرها.

( ه ، س ) قالت: زوجني أبى وعمري 16 عاماً من رجل يكبرني بـ 20 عاماً رفضت بشدة، إلا أنه كان يضربني لأوافق على الزواج منه وأصبت بحالة نفسية جعلتني كلما أرى زوجي أغيب عن الوعي، ومرت الأيام والشهور التي لا أعرف عددها وطلبت منه الطلاق، فرفض وكلما كنت أهرب منه وأذهب إلى بيت أبى يعيدني أبى إليه بعد أن يضربني ، فلم يكن أمامي إلا القبول بالأمر الواقع وأنجبت منه ولداً .

لا طفولة ولا أحلام ولا طموح تقول ( ن ، م ) متحسرة، على زمن فاتها ومراحل عمرية لم تعشها ولم تذق طعمها. مضيفة أنها تكره زوجها إلى اليوم، بالرغم من أنه يوفر لها كل المتطلبات المادية. إلا أنها لم تتمكن من كسر ذلك الحاجز النفسي، الذي بات جدار صد بينهما، لافتة إلى أنها حاولت مرات عدة الهروب من البيت، بسبب معاملته السيئة لها، ولكن في كل مرة يكتشف أمرها بسبب أفراد عائلته، فتعود أدراجها خائفة.

ونستنتج بأن للزواج المبكر في عالمنا اليوم له تداعيات خطيرة وخاصة على الفتاة ويتضح لنا أن هناك من يستغل ما حدث بالبلاد من انفلات أمني وقانوني وتردي في الأوضاع المعيشية ليلبي غروره في الزواج من فتيات صغيرات رغم أنه متزوج بل يتعداه إلى إقرار ذلك أنه سنة يجب أتباعها عند بعضهم إضافة لعوامل أخرى تتعلق بالفتاة نفسها ، ولا يمكن أن نحد من هذه الظاهرة إلا بحملات توعية مستدله بوقائع عن خطورة الزواج المبكر للفتاة والتي لم تبلغ سن الرشد  .

شاهد أيضاً

000

” أحني والكاميرا عارضين ” –  لقاء فني فوتغرافي وعروض صور ضوئية .. بدار نويجي للفنون .

متابعة: لا شيء يحفظ للذاكرة تفاصيل اللحظة كالصورة ، ولا أحد يلتقط عمق معانيها سوى …

أضف تعليقاً