الرئيسية / مقالات / سياسة فرنسا في ليبيا وعطورها..// عزالدين عبد الكريم
13076645_1198023200222411_1547546633205876397_n

سياسة فرنسا في ليبيا وعطورها..// عزالدين عبد الكريم

عندما تأخذني الظروف في سفر عبر المطارات، يتكرر معي مشهد أتعامل معه وفق حالتي النفسية كلّ مرة، إذ يقذفني استكمال إجراءات الجوازات والتفتيش الأمني إلى باحات السوق الحرة المليئة بالبضائع المعروفة وأبرزها “العطور” التي يبدو بأن أشهرها فرنسية وعادة ما يُقطع خط سيري المتوجه إلى بوابات الصعود من طرف حسناوات في كامل أناقتهن وتبرجهن، ليقنعنني بضرورة، وأهمية، وحتمية، تجربة عطر جديد، أحياناً يكون وضعي النفسي قابلاً لمهاترات التسويق، خاصة إن أعجبني أسلوب إحدى الحسناوات، إذ أن بعضهن لا تفرق بين أساليبهن وأساليب روبن هود، الخلاصة أنني أقنع نفسي متمتماً وما الذي ورائي، صحبة جميلة، وروائح أجمل، وأقرر دخول غابات الروائح، لكن المتكرر أيضاً أنه بعد ثلاث تجارب أو أكثر، يفقد الأنف قدرة التمييز، هكذا يقلن لي دائماً الضالعات في العطر، وبالفعل أحس بتضاءل قدرة التمييز، لينتهي الأمر إلى متاهة…

حضرتني هذه التجربة المتكررة، وأنا أراقب التحرك الفرنسي الأخير إزاء أحداث سُوق على أنها أنشطة لتجارة الرقيق في ليبيا، فالتحركات السياسية الفرنسية متعددة ومختلفة أحياناً تفقد القدرة على تمييز دوافعها ومراميها كعطور فرنسا ذاتها بعد أكثر من تجربة…

حسناً…

في العراق هناك مثل شعبي يقول (شافونا سود على بالهم هنود) أي أن الصمت المطبق لهياكل الدولة الليبية شرقها وغربها مع مؤسساتها، إلى جانب مؤسساتنا الإعلامية، قد ثبّتت قناعة عند الفرنسيين (على سبيل المثال) بأننا بسطاء كالعمالة الهندية التي لا تركز إلا على عيشها اليومي في البلدان التي يتكاثر وجودهم فيها، وبالتالي ترسخت قناعة عند الغرب عموماً، بأن هذه الرقعة من الأرض المسماة ليبيا، فارغة من المترصدين لكل الألاعيب الهادفة إلى قتلنا ونهبنا، وإلحاق كل تهم الشر بنا وفوق كل ذلك، إفراغنا من كل عنصر انتماء، بما يفرضه هذا الإنتماء من واجب الدفاع عن هويتنا الجمعية وأرضنا.

الآن …

كنت قد كتبت مقالاً صحفياً منذ سنتين حول السياسة الفرنسية بالتأسيس على لقاءات، وبالحصول حتى على وثائق رسمية، لكن لم يكتب له الله أن ينشر، اليوم أعيد صياغته و أرى ضرورة نشره للإحاطة، المقال معنون بــ

فرنسا..لا يراها أحد في ليبيا

التشظية لليبيا واستهداف ثرواتها تحت عناوين كاذبة

في تناغم وتناسق مع المخططات، وصل الأمر اليوم إلى خلق مبررات لاستثمارها من أجل تمرير المستهدف الفرنسي عبر إشكالية “المهاجرين الأفارقة” الذين يشكلون عبئاً على ليبيا أولاً، ليقلبوا الأمر إلى مشاركة ليبيا في أوضاعهم ومعاناتهم التعسة، و التي لا يملك أي عاقل إلا التعاطف معها، لكن لنعود للوراء قليلاً لبضع سنوات، فقد كان هناك تسويقاً عبر وسائل الإعلام المحلية والعربية والغربية، على أن الصراع المحلي في الجنوب الليبي متلخص في صراع عرقي بين قبائل التبو وقبائل الزويات العربية، وهو توصيف يحمل في ثناياه ضمان التعاطف مع مجموعات التبو لكونها فئة صغيرة لا حول لها ولا قوة، وهكذا توصيف سيؤدي بالتالي إلى تشكيل شعور بالعداء للفئة التي يصورونها باغية، وأمام هكذا توصيف، تصبح محاولات التوضيح والدفاع وكأنها انحياز مسبق للطرف الذي يظهرونه ظالماً، لكن الواضح من خلال الاستقراء بعلمية وشواهد تاريخية، أنه لا معاداة موجودة لعرق محدد، بل أن المناوئين (الزويات) عند محاورة بعض أطرافهم للاستفهام عن ملابسات الطرح، يؤكدون بأنهم قد أعلنوا بقبولهم ترأس وسيادة أحد أطراف التبو، و أن كل ما يعلنونه ويجابهونه بقوة، هو فقط رفضهم للعناصر التي قَدِمت بالآلاف والتي لا علاقة لها من ناحية المواطنة بليبيا، بل هم نتاج عمليات مبرمجة لتغيير الديموغرافيا للمنطقة بما يحقق سيادة فئة تحقق تمرير مستهدفات قُيِّضَ هنا أن يكونوا تحت مسمى التبو الذين تم تنظيم هجرتهم من قبائل محددة إلى الجنوب الليبي، وليُمنحوا انتماءً لليبيا وهم ليسوا كذلك، مستغلين حقيقة تشكل الجنوب الليبي من أعداد تنتمي فعليا إلى التبو ويتمتعون بحقوق المواطنة الليبية.

ولأن الإعلام لم يعطي الأمر ما يستحق من إثراء وغوص وتمحيص، فإن لا أحد ( تقريبا) قد انتبه إلى ما يشكله الجنوب الليبي من أهمية لليبيا ككل، من حيث أن الشق الساحلي لليبيا سيكون تقريباً مُعدماً بدون الجنوب، وهذا ما جعل دولة فرنسا تحديداً تقود خطط واستراتيجيات لتحقيق أغراضها، وبالطبع لا يخلو الأمر من آخرين معها من الدول الكبرى، إذ تهدف هذه الخطط إلى التالي :

1) إفراغ الجنوب من السكان الأصليين عبر التهجير المنظم بقوة السلاح والترهيب كما حصل في مرزق/ زويلة/ تراغن/ سبها / أوباري/ الكفرة .

2) السيطرة على منابع الثروات والمباشرة الفعلية في استخراجها كالذهب مثلاً، وتوجد وثائق تؤكدها.

3) إخفاء أهمية الثروات في المنطقة والمتمثلة في :

أ ) كامل احتياطي النفط والغاز .

ب ) الذهب.

ج ) المياه المدفونة والتي تشكل بحيرات وانهار ، كنهر دلتا الكفرة الذي خرجت أبحاث عنه في 2010 .

د ) الطاقة الشمسية المزمع تصديرها إلى أوروبا باعتبار أن الجنوب الليبي تتركز فيه أكبر نسبة سطوع للشمس.

ويهدف مخطط تغيير الديموغرافيا إلى تحقيق الالتقاء مستقبلاً مع مقررات الأمم المتحدة التي تشير إلى أحقية الأقليات عند بلوغها نسبة معينة إلى المطالبة إما بالحكم الذاتي أو حتى الانفصال، رغم أن ذات النصوص المشرعة لهذا الأمر تتيح للدولة الأم أحقية المحافظة على وحدتها..!!!،وهو أمر متشابك يدخل الإنسان في حيرة، لكن هذا التشابك في الشرعنة المتضادة، يمكن لأي لبيب فهم دواعيه .

إن قضية استهداف تغيير التركيبة السكانية جاء من واقع أن التبو (الليبيين) لم يبلغوا وفق آخر إحصائية ما قبل عام 2011 إلا إلى ( 8920 فردا) ( ثمانية آلاف وتسعمائة وعشرون فرداً) وهو ما يشكل نسبة (واحد في الألف من سكان ليبيا)، رغم ما يُطرح من أرقام من قادة التبو الدخلاء والذي يرفعونها في التصريحات إلى (60000) (ستون ألف).

وبما أن فرنسا تقود هذا المخطط، لما لفرنسا من سطوة تاريخية على الدول الأفريقية، وما تبديه من مسؤولية ظاهرية تجاهها، فقد مَررت مخططاً لنقل سكان ما يعرف بإقليم (BET) (بوركو ايتدي تيبستي) إلى الجنوب الليبي، وهذا الأقليم يضم قبائل :

( القرعان / أوجانغا / الأرنه و مورديا )

وتم فعليا نقل أعداد كبيرة منهم، مع محاولة تثبيتهم بتوليهم قيادات في المدن الليبية، وهو ما أدى إلى الاشتباكات التي تطورت إلى صراعات مسلحة متقطعة تعلو وتيرتها وتخبو، ولأن هذه الأعداد تدخل تحت تسمية التبو لذر الرماد في العيون، فإن التناول الإخباري، عادة ما يلخص الأمر على هيئة استهداف للتصفية العرقية….

وهنا يبرز سؤال مهم يحمل في طياته إجابة ضمنية صريحة لواقع ما يحصل على الأرض: كيف لعدد مسجل وموثق للتبو البالغ في السجلات الرسمية الليبية (8920 فردا) بمن فيهم من النساء والأطفال وكبار السن، أن يخوض حروبا كبيرة بأسلحة ومعدات متكاملة على طول الجنوب الليبي من الشرق إلى الغرب ؟؟؟؟!!!!

هذا الأمر يقودنا إلى المنسي في التحرك الفرنسي والذي بدأ بعد فبراير 2011، بزيارات السفير الفرنسي تحديداً إلى مرزق التي استولى عليها أفراد من المستجلبين من تشاد، وتم تكليفهم بمهام تندرج وتتسق مع سياق 17 فبراير كمهام قيادة المجالس العسكرية ، وهؤلاء هم من اجتمع بهم السفير الفرنسي، وبالنسبة لفرنسا فإن الجانب الإعلامي غير مغيب عندهم لتشكيل القناعات والتوطئة لبلع المآلات فيما لو تحققت، إذ عمدت قناة فرنسا 24 إلى إنتاج و بث تحقيق قاده الصحفي “جيمس ادري”، والذي عنونه (التبو سادة الجنوب) وتضمن جملة من التصريحات الفاضحة لاستهداف مستقبلي يشمل الانفصال عبر الاعتماد على لقاءات مع قادة التبو.

في 2013 نشرت صحيفة لوموند خريطة لليبيا، مبرزة فيها ما سمته بــ (دولة التبو في الجنوب الليبي) !!!!

على المستوى الرسمي اجتمع الرئيس الفرنسي في 2015 بسفراء فرنسا في العالم وتحدث فيهم، لكن الصحافة الفرنسية تجاهلت فقرة في سياق الخطاب ولم تبرزها، تحدث فيها الرئيس عن ليبيا مشدداً على منطقة الجنوب، وهو ما يتناغم وتصريحات رسمية سابقة أخرى من مسؤولين فرنسيين، حددوا فيها بشكل صريح على أن الجنوب الليبي يعتبر بؤرة الإرهاب !!!!

بؤرة ” الإرهاب” هذه التي رآها الفرنسيون، قد تفسر كذريعة لإعادة إحياء القواعد الفرنسية في كل من تشاد والنيجر، ففي النيجر أعيد تجديد قاعدة (ماداما) التي كانت قد أسستها عام 1931، وتم حشدها حتى أواخر 2015 بعدد (2000) جندي وأعداد هائلة من الطائرات المقاتلة، وطائرات التجسس، والطائرات المروحية….و دائما “بوكو حرام” شماعة مقبولة….

أمام هكذا تحركات يبقى السؤال، هل لم يسترعِ الأمر انتباه أحد ؟؟؟

من حسن الحظ فإن أصواتاً أخرى ارتفعت، فعلى الصعيد العربي، لمحت صحيفة الشروق الجزائرية للمخططات، وهو ما يراه البعض بأنه غير متناسق مع الموقف الجزائري عموماً، ولعل التفسير الوحيد أنه حدث في غفلة من الزمن.

لكن الصوت الأقوى جاء من بريطانيا عبر (جيرمي كينان) والذي نشرت له (ليبيا المستقبل) بعض المقالات …

إن ما يستوقف الباحث هنا بهذا الخصوص، هو تواطؤ الحكومات الليبية المتعاقبة، ابتداء من حكومة السيد زيدان الذي نفى أمر التدخل الفرنسي إبان توليه رئاسة الحكومة وهو أمر لا يحتاج لعبقرية حتى يتم استيضاحه بالتأسيس على علاقات السيد زيدان المعروفة والمعلنة بفرنسا !!!، لكن الأدهى أن حتى البرلمان الليبي احتضن مسؤولين تشاديين سابقين غير مخفيين على المستوى التاريخي، و تم بسهولة بلع فكرة انتمائهم (التبوي) رغم أنهم كانت لهم صفات قيادية في حركات تحرر في بلدانهم كالنيجر وتشاد في العقود الماضية وبشكل صريح، ويؤكد مراقبون بأنه قد اُعتمد تثبيت هؤلاء في مراكز حساسة من بينها على احتكاك مع رئيس البرلمان!!!!! على الأقل في فترات ما …

ولعل الطريف في الأمر أن أحدهم على الأقل اعترضته إشكالية عدم حصوله على رقم وطني، وهو ما يقودنا إلى الجهود المبذولة من أجل تزييف واقع الوثائق الرسمية على مستوى تحديد الإنتماءات لليبيا عبر السجلات المدنية والعبث بمنظومة الرقم الوطني، التي يبدو بأنه تم القفز على تشويهها بمجهودات فردية قد تكون مؤقتة التأثير…هذا الاستهداف لم يتوقف عند تزييف المعلومات المسجلة، بل تعداه مؤخرا لاستهداف مبرمجين مسؤولين على المنظومة بالاختطاف، ولا يمكن تقدير حجم الضرر المتحقق بعد عمليات التهديد والاختطاف …

خلاصة الأمر…فإن القوى خرجت من منطق المقارنة المعهودة، فقديما كنا نقول بأنها غير متكافئة، لكنها اليوم شبه معدومة من جانب من يقع عليه الضرر نحن الليبيين، ولعل الانتصار الوحيد الذي يمكن أن يخفف من حجم المواجهة عديمة التكافوء بأننا نتمتع بحس إدراكي لما يحصل، وبذلك لا نترك لهم فرصة الاستمتاع باعتبارنا أغبياء وسذج … ويبقى الرهان الخاسر خاسراً، في أن التشظية ستتحقق، فالتبو والطوارق والأمازيغ والعرب هم من يشكلون فسيفاء التنوع الليبي، و لن يقبل العقلاء في أي مكون من هذه المكونات فصلهم عن الآخرين، رغم الرهان الاستعماري على الفئات الغبية في كل هذه المكونات …

شاهد أيضاً

37199674_273429833423007_8897455633373069312_n

“لن تكون دولة ” // أيمن المبروك

هذا ما قُلته إبان إطلالة أنياب السنة الرمادية 2013 و التي تلت السنة 2012 التي …

أضف تعليقاً