الرئيسية / حوار / عبدالله كريستا للأيام : أنتجت أول أفلام الكرتون العربي ، والصحف العربية وصفتني بديزني العرب ..
1

عبدالله كريستا للأيام : أنتجت أول أفلام الكرتون العربي ، والصحف العربية وصفتني بديزني العرب ..

حوار: محمد الجنافي

الفنان محمد عبدالله كريستا قامة ثقافية ليبية  وعربية لم يقتصر إبداعه على مجالا فنيا بعينه بقدر ما تنوع انتاجه الثقافي ليشمل مجالات فنية متعددة كانت قد بدأت في مراحل مبكرة من حياته .. وقليلا ما سجلت الذاكرة الثقافية العربية والعالمية حالات متفردة من التعدد الإبداعي في شخص فنان لاسيما عندما يقترن بعضها بسبق الريادة المؤسسة لما تلاها من بناء ثقافي . .

فالإعلامي ” الشاب عبدالله كريستا ” في عقد الخمسينات من القرن الماضي أعد وأخرج وقدم أول برنامج متميز للأطفال ، واستمر في تقديمه على مدى ما يقارب الثلاثون سنة ، كما قدم في تلك الحقبة المبكرة من تاريخ التراث الليبي المعاصر لمكتبة الأغنية الليبية أول أغنية ليبية للطفل ، وهي الأغنية الشهيرة ” نحن صغار ونولي كبار ” . . ، وعلى الصعيد الثقافي العربي كان للفنان الليبي عبدالله كريستا سبق الريادة في مجال الرسوم المتحركة العربية ؛ فأنتج آلاف الساعات من أفلام الكرتون حتى أن بعض الصحف العربية قد أطلقت عليه ” ديزني العرب “؛ فقبله لم يخض العرب تجربة أفلام الرسوم المتحركة العربية . . ولم يقف إبداعه عند هذا الحد بل تجاوزه إلى التأليف والإخراج المسرحي للكبار وخلاله أكتشف عددا من الممثلين الذين أصبحوا فيما بعد من أهم القامات الدرامية الليبية من أمثال لطفي بن موسى ، ومختار الأسود ، وإسماعيل ريحان ..

وفي الطرب الليبي الأصيل كان لكريستا سهم الشعر الغنائي زمن الفن الجميل ؛ فتغنى بكلماته عدد من أهم المطربين الليبيين من بينهم خالد سعيد ومحمود الشريف ومحمد رشيد وراسم فخري في أغنيته المشهورة ” زي المية للعطشان أوصافه حبيبي ” ..

حوارنا الهام والشيق معه تضمن تفاصيل ما تقدم  ، وغطي جوانب هامة من سيرته الذاتية الزاخرة بإبداعه المتنوع والمتميز ..

2

الأيام : الأستاذ عبدالله كريسته رائد صناعة الكرتون العربي وأول معد ومقدم برنامج أطفال في ليبيا كيف كانت طفولته وبداياته الفنية الأولى ؟

عبدالله كريستا : لو بدأنا بالاسم فاسمي المركب هو محمد عبدالله كريستا ولكني عرفت واشتهرت بعبدالله كريستا ، ولدت في حي باب البحر بطرابلس عام 1935م ، وعشت فيه طفولتي ، وقد كان جميع قاطني هذا الحي من البحارة ومنهم والدي الذي اعتبره معلمي الأول فقد نمى في نفسي فن حكاية الطفل ؛ فكنت في طفولتي أنام على ركبته ويقص علي حكايات عديدة ومتنوعة ، فوالدي كان على قدر كبير من المعرفة بحكايات التراث الليبي وكان أسلوبه في سردها وإلقاءها في غاية الجمال والتفرد .. وقد كان لذلك أثر كبير في نفسي وانعكاس ايجابي على شخصي ، كما أن والدتي كانت كذلك على نفس القدر من الموهبة السردية ، وقد عشت طفولتي في بيئة تمتلئ بالجمال والحيوية ، وفي فترة مبكرة جدا من عمري وأنا في سن الخامسة تقريبا التحقت بكتاب سيدي سالم في المدينة القديمة ، وفيما بعد التحقت بكتاب حورية لتعلم القرآن علي يد الشيخ مختار حورية بشارع قوس الصرارعي ، وكان مقابل هذا الكتاب في نفس الشارع كتاب العريفة زهرة للبنات الذي كانت تذهب إليه أختى لتعلم القرآن ، والعريفة زهرة هي والدة حسن الشغيوي المعلق الرياضي المعروف وقد تشبعت في مراحل طفولتي بفن المطربين القدامى الأصيل في زمن الفن الجميل من أمثال عثمان نجيب وكامل القاضي وأمثال علي الشعالية وامحمد حسن بي ومحمد سليم ..وفي المدرسة تتلمذت على أيدي عدد من رواد مجال التربية والتعليم في ليبيا وذلك بمدرسة المدينة القديمة التي بدأت فيها حياتي الدراسية الأولى ، ومن ضمن هؤلاء الأساتذة الأفاضل كان هناك الأستاذ عمر الحمداني وهو من الأساتذة الأجلاء ومن الشعراء الذي كان له دور في كتابة الأناشيد الوطنية ، والأستاذ الأمين الغدامسي والأستاذ محمد النعمي والأستاذ علي سيالة وهو مربي فاضل ، وقد كان من ضمن الأساتذة فنان كبير ترك تراثا لحنيا مميزا وجميلا يعرفه كل الليبيين وهو الفنان الراحل كاظم نديم بن موسى الذي كان يقوم بتدريسنا في حصة الأناشيد والموسيقى وقد كان أصغر المعلمين سنا بالمدرسة ، وكان كثيرا ما يطلب مني ألقاء الأناشيد وقد صرت بفضل اهتمامه نجم من نجوم الغناء في حفلات ومهرجانات المدرسة .. وقد قال لي الأستاذ كاظم نديم أن لدي استعدادا فطريا لأن أكون فنانا ولكن لا بد لي أن أتعلم الموسيقى ، وفي تلك الفترة لم يكن هناك معهد موسيقى ، وقال لي أيضا لابد أن يكون لديك عود وقد كنت في السنة الثانية الابتدائي وثمن العود آنذاك كان مرتفعا بطبيعة الحال ؛ فقام الأستاذ كاظم نديم بإهدائي عود وتعليمي أبجديات الموسيقى .. أما الذي اكتشف لدي موهبة الرسم فهو الأستاذ أو الشيخ علي سيالة وهو رجل دين فاضل وله اسلوبه المتميز في التربية وقد كان رساما ، وكان له الفضل الكبير في توجيهي عندما كنت أحضر رسوماتي للمدرسة لأعرضها عليه .

الأيام : متى وكيف بدأ  مشوار – الاعلامي الشاب – عبدالله كريسته في مجالات التقديم والإعداد والإخراج البرامجي ؟

عبدالله كريستا : في عهد الاستعمار الايطالي كانت هناك محطة إذاعة مسموعة وكان فيها بعض الفنانين أمثال كامل القاضي وامحمد حسن ، وكان هناك برنامج للأطفال ولكن جهاز الراديو لم يكن موجودا في كل البيوت ؛ فقد كان لدى عائلتين أو ثلاثة في منطقة باب البحر مثلا ، وكان الشاعر أحمد قنابة يقدم برنامج للأطفال في تلك الاذاعة  وكنت أستمع للبرنامج ، وعندما يحين وقت اذاعته أخرج من البيت وأذهب إلى قوس ماركوس الذي كان يعلق فوقه مكبر صوت للراديو وأجلس على ركابة الرخام واستمع إلى برنامج الاطفال ، وفي الخمسينيات بدأ مشواري مع الإذاعة الانجليزية التي كانت في شارع السيدي بقرب جامع السمعة الحمراء ومقر الجوازات حاليا ، وقد كانت هذه الإذاعة بريطانية وكانت تمنح الحكومة الليبية ثلاث ساعات بث تتوزع بين ساعة في الصباح وساعة في الظهر وساعة في الليل ، وقد كان الفن في تلك الفترة متغلغلا في كياني كشاب ،وابتدأت الغناء والعزف على آلة العود وقمت كذلك بتلحين بعض الأغاني ، كما أني عملت في الإذاعة كمذيع ووجدت أمامي في الإذاعة الأستاذ كاظم نديم ومحمد بن صوفيا وكان مدير الإذاعة في ذلك الوقت الأستاذ الأديب علي مصطفى المصراتي ، وكانت الفرقة الموسيقية تتكون من 5 أو 6 أشخاص ، ووجدت في نفسي ميل لإعداد وتقديم برامج الأطفال وهذا الميل بدأ يغلب اهتماماتي الموسيقية ..

بعد عام 1956م أعلنت وزارة المواصلات عن افتتاح الإذاعة الرسمية ، وقد كنا أربع زملاء جمعتنا هذه الاذاعة ..كاظم نديم ، ومحمد بن صوفيا ، ومحمد بن عامر ، وأنا ، ولم يكن بهذه الاذاعة استوديو بمعنى الكلمة ، فقط كان مجرد حجرة ، وقد جلسنا نخطط للعمل الإذاعي الذي سيبدأ مع انتقالنا من الإذاعة المحلية إلى الإذاعة الرسمية ، فمحمد بن صوفيا الذي كان أكبرنا سنا وعلما تولى البرامج السياسية ، والفنان كاظم نديم تولى قسم الموسيقى ، أما الاستاذ محمد أبو عامر وهو الاديب والكاتب والصحفي فقد تولى القسم الادبي ، أما انا فقد أسند إلي مسئولية برامج الأطفال وقد وافق ذلك أمنيتي التي راودتني منذ أن كان عمري 5 سنوات .

الأيام : ألفت وأخرجت وغنيت صحبة مجموعة من الأطفال أول أغنية للطفل . متى كانت وكيف جاءت ؟

عبدالله كريستا : في فترة ماضية كانت هناك أغنيتين للأطفال انتشرتا بشكل واسع  في المدارس ورياض الأطفال وهما ؛ ” ذهب الليل وطلع الفجر والعصفور صو صو ، وأغنية ماما زمنها جيا جيا بعد شوية جايبة ألعاب وحاجات .. ” ، وفي المقابل لم تكن هناك أي أغنية ليبية للأطفال تضاهي هذه الأغاني في القيمة الفنية ومستوى الأداء ؛ فأذكر أنه في أحد المرات وأنا خارج من الأستوديو إلى البيت وقد سجلت حلقة للأطفال أنني كتبت أغنية ( نحن صغار … ونولي كبار ونحمي بلدنا من الغدار … بضرب النار ) وقمت بتنفيذها فيما بعد ، وقد استطاعت هذه الأغنية أن تنتشر انتشار غير عادي ونسى معها الأطفال والناس أغاني ” ماما زمنها جيا ، وذهب الليل ” وقد تم تسجيل أغنية نحن صغار في الخمسينيات وهي تذاع إلى حد الآن بعد هذه الأغنية كتبت أغنية ( معلمتي تعلمني .. وتحكيلي حكايات .. واشعر انها عندي …كأمي أو كأخواتي) في نفس الاسبوع الذي انتشرت فيه اغنية نحن صغار .. ونولي كبار وكتبت بعدها العديد من الأغاني للطفل .

الأيام : أول افلام الكرتون ” الرسوم المتحركة ” التي رسمتها متى كانت وماذا كان موضوعها ؟

عبدالله كريستا : المرة الأولى التي رسمت فيها رسوما متحركة كانت سنة 1961م وكانت عبارة عن اعلان دعائي لشركة المختار للتأمين فقد اعلنت هذه الشركة عن وثيقة حماية الأسرة ، وعن حاجتها إلى أفكار ‘إعلانية إرشادية لخدمة أهداف هذه الوثيقة ؛ فالعائلات الليبية كانت تحتفظ بكميات كبيرة من الذهب في البيوت ، وكانت الشركة تريد برنامج توعية ومادة دعائية لخدماتها فعرضت عليها فكرة لرسوم متحركة تمثلت في لص يسطو على ذهب مخزن بالبيت .. وذلك لحث الناس على ايداع ذهبهم في المصارف وقد كان هذا أول عمل كرتون انتجته ، والرسم الثاني كان كذلك مع شركة ليبيا للتأمين ويتعلق بالتامين على السيارات وتوعية الناس بذلك ، وكان كل ذلك قد مثل بداياتي الأولى في الرسوم المتحركة وقد تم عرض كل هذه الأشرطة الكرتونية في دور عرض الحمراء والودان ولوكس والغزالة وغيرها .. كما طلب مني قسم التثقيف بوزارة الصحة اعلانات تثقيفية صحية وأنتجت لهم فيلم باسم عقد اللؤلؤ الثمين ؛ لحث الناس على المحافظة على الأسنان كما انتجت لهم ايضا عدد من الافلام الأخرى وقد عرضت افلام الرسوم هذه في دور السينما والأرياف .. ثم جاء بعد ذلك عمل أصحاب الفيل وهو أول مسلسل كرتوني متكامل يروي سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام ..

الأيام : كان لك سبق الريادة في مجال أفلام الكرتون محليا وعربيا .. يعني أنك خضت تجربة فن قد بدأ بك ، هل اعتمدت فقط على الموهبة أو هناك عوامل أخرى صقلت قدراتك ؟

عبدالله كريستا : الاعتماد على الموهبة فقط لا يكفي فلا بد أن وجود الدراسة إلى جانب ذلك ؛ فأنا كنت قارئ نهم وقد درست كل ما يتعلق بتاريخ السينما وخاصة في مجال الرسوم المتحركة ، وكنت اتردد على المعهد الثقافي الأمريكي واستعير منه الكتب ، وفي أحد المرات وقع في يدي كتاب عنوانه كيف ترسم أفلام الكرتون وعملت على دراسته بعمق ، واستمرت فيما بعد دراستي لهذا المجال التي انعكست على انتاجي للرسوم المتحركة . ويجب أن نعلم بأنه بمجرد الضغط على زر الكاميرا لأخذ لقطة فأن الكاميرا تعمل 24 كادر في الثانية ، يعني أربعة وعشرين صورة ؛ فلكي تعمل رسوم متحركة لابد أن تعمل 24 لوحة حتى تحرك أقدام وأيدي وكل تعابير الشخصيات ، ولهذا فالرسوم المتحركة ليست بالأمر السهل والبساطة التي قد يتخيلها البعض .

الأيام : عملت في صحافة الطفل وأصدرت عدد من مجلات الأطفال . حدثنا عن ذلك ؟

عبدالله كريستا : في الخمسينات وتزامنا مع تقديمي لبرامج الأطفال بالإذاعة بدأت في بوضع اللبنات الأولى لصحافة الطفل من خلال اصدار نشرة حائطية للطفل تطبع بالستننسل وذلك عام 1957م ، وفي الستينات وتحديدا عام 1961م اصدرت أول مجلة قائمة بذاتها وهي مجلة الطفل ، وفي العام التالي تطورت هذه المجلة لتصبح مجلة الجيل الصاعد عام 1962م ، وفي مطلع السبعينات أيضا أصدرت أول مجلة للطفل بشكل رسمي على المستوى المحلي والعربي وهي مجلة أيمن وأمينة .

الأيام : ألفت وأخرجت عدد من المسرحيات للكبار . هل لنا أن نعرف عناوينها وأبطالها وموضوعاتها ؟

عبدالله كريستا : مسرحياتي اهتمت بكل الجوانب الحياتية الاجتماعية ، فمسرحية بنت في الدلالة تعالج مشكلة غلاء المهور ، ومسرحية ضحايا الرجعية عالجت مشكلة المرأة ومصادرة رأيها ، ومسرحية طريد الحياة كانت من وحي الرواية العالمية البؤساء للروائي فيكتور هيغو .. وهذه المسرحية تتحدث عن الفقير الجائع عندما يضطر للسرقة لإطعام أطفاله وما يلاقيه من عقاب ، ومسرحية نفوس تحترق عرضت معاناة الفنان عندما يتعرض للتهميش ومحاربة المجتمع الناجمة عن النظرة المتخلفة للفن والفنانين ، فأنا قد ألفت وأخرجت حوالي 5 أو 6 مسرحيات ومن بين الفنانين الذين لعبوا أدوار البطولة في هذه المسرحيات الفنان لطفي بن موسى والفنان الراحل مختار الأسود في مسرحية ضحايا الرجعية ، والفنانة حميدة الخوجة ، واسماعيل ريحان .

الأيام : اكتشفت وقدمت للمسرح ممثلين كان لهم فيما بعد شأن كبير في عالم الدراما من بينهم لطفي بن موسى ومختار الأسود واسماعيل ريحان . أين وكيف تم ذلك ؟

عبدالله كريستا : كنت عضوا في نادي الشباب في تلك الآونة ، وكان لطفي بن موسى ومختار الاسود وإسماعيل ريحان أعضاء بهذا النادي وقد طلبت مني إدارة النادي عمل مسرحي ، وقد قدمت عمل مسرحي بعنوان أول غرام في عام 1956م ، وأسندت فيها دور البطولة لإسماعيل ريحان كأب ولطفي بن موسى كابن ، وأيضا أسندت دور للفنان مختار الأسود والذي كان على ما أذكر دور الأب المتزمت.. وقد كان عمل مسرحيا ناجحا وقد تألق فيما بعد كل هؤلاء الفنانين في عالم المسرح ..

الأيام : قدمت أول برنامج منوع للأطفال في خمسينيات القرن الماضي . كيف كان ذلك ؟ وما هي الصعوبات التي واجهتكم ؟

عبدالله كريستا : أهم الصعوبات التي واجهتني في بداية اعدادي وتقديمي لبرنامج الأطفال هي التحفظ الاجتماعي الذي كان يبديه الناس إزاء الفنانين مطربين كانوا أو ممثلين ؛ فلقد قمت بتوجيه الدعوة للكثير من الناس لمشاركة أطفالهم بنات وأولاد ببرنامج الأطفال ولكنهم رفضوا ، وقد شكل ذلك تحدي كبيرا لي ، ولكن مع الإصرار والثقة في النجاح التحق بالبرنامج عدد من الاطفال ، في البداية كانوا خمسة تقريبا ، أذكر منهم خدوجة قنيوة ، وبشير المليتي ، اسمهان ، وفطيم المرابط ، فاضل شرادة . . هؤلاء رحب أولياء أمورهم بالدعوة ، وفيما بعد وخلال سنة من بداية البرنامج أصبح عندي في الأستوديو حوالي 42 طفل وفرقة موسيقية وفرقة للتمثيل والمنوعات ، واستمر تقديمي لهذا البرنامج الذي تضمن العديد من الفقرات ومنها التمثيلية والمسابقة والأغنية وغيرها لمدة 29 سنة متواصلة وبشكل اسبوعي على تمام الساعة العاشرة من صباح كل جمعة ، وقد كان البرنامج نافذة على شتى المعارف ، ومنهلا يتغذى منه الطفل في مجالات الثقافة والعلوم ، وأذكر من الشخصيات الفنية والإعلامية التي عاصرت البرنامج في طفولتها الفنان لطفي العارف ، والإعلامية عايدة الكبتي أول مذيعة ليبية .

الأيام : انتاجك الغنائي والكرتوني غزير ويصعب تذكر عناوينه ولكن هل يمكننا الحديث بلغة الأرقام عن عدد الأغاني وأفلام الكرتون التي أنتجتها ؟

عبدالله كريستا : بالنسبة للأغاني فقد أنتجت ما يقارب الــ 320 أغنية وأوبريت للأطفال ، أما بخصوص الأفلام الكرتونية فقد بلغت عدد ساعاتها حتى آخر عمل حوالي 2500 ساعة ، وعلى صعيد عناوين أفلام الكرتون فأذكر على سبيل المثال لا الحصر حكايات ألف ليلة وليلة ، وحكايات المساء ، ومسلسل هيا بنا نتعلم ، ومسلسل علم ومعرفة ، ومسلسل خلق الإنسان من علق وهو مسلسل علمي يروي قصة مراحل تكون الانسان في رحم أمه حتى اكتمال نموه وولادته .

الأيام : جعلت من الطفولة محورا لاهتمامك الابداعي على حساب مجالات فنية أخرى للكبار كان بإمكانك تقديمها ؛ فأنت شاعر غنائي ومسرحي وملحن . لماذا ؟

كما ذكرت لك آنفا فنشأتي كانت في ظل أب وأم فتحوا منذ طفولتي آفاق خيالي على عوالم قصة الطفل وأساطير الثرات الليبي التي تخاطب خيال الطفل ، بالإضافة إلى استماعي المبكر للإذاعة المسموعة في حقبة الاحتلال الايطالي من خلال مكبر الصوت المثبت على قوس ماركوس .. كل ذلك نمى في كياني حب برامج الأطفال وقادني فيما بعد إلى اطلاق أول برنامج للأطفال في بداية الخمسينيات من القرن الماضي ؛ فالأطفال هم عماد المستقبل والاهتمام بصقل مواهبهم وتنمية قدراتهم ينعكس ايجابا على كل مستقبل الأمة بأسرها ..

الأيام : هل هناك صعوبات معينة واجهت بدايات حياتك الفنية ؟

لاشك أن هناك صعوبات اجتماعية واجهت بدايات كل فنان في تلك الحقبة ، فأبي كان يستمع إلى البرنامج الذي كنت أقدمه للأطفال ويجلس بقرب الراديو ليستمع لي ويخبرني فيما بعد بملاحظاته وانطباعاته ويشجعني على المضي في برنامجي ، ولكن عندما قمت بغناء أول أغنية وهي ” عود ياحبيبي عود ” طلب مني التوقف عن الغناء وأن يقتصر اهتمامي على برامجي الاذاعية فقط  ؛ فالمجتمع في تلك الفترة كانت له نظرة سلبية للفن وبالأخص الغناء .

الأيام : ما هو تقييمك لما يقدم اليوم من مواد إذاعية للطفل الليبي والعربي عموما ؟

الطابع التجاري هو الغالب على برامج الأطفال اليوم ؛ فهي تفتقد للهدف التربوي وتخلو من أي مضمون هادف ، والأسوأ من ذلك أن الذين يقفون خلف برامج الأطفال لا علاقة لهم بأدب الطفل بكل أنواعه ، سواء منه القصة أو كتابة الأغنية أو اللحن ؛ فيجب أن لا يخوض في برامج الأطفال سوى المتخصصين من ذوي الخبرة في التعامل مع الطفل .

الأيام : هل سبق للفنان عبدالله كريستا أن تغنى بكلماته وألحانه وبصوته ؟

أغنية واحدة فقط أديتها بصوتي تقول كلماتها : (عود لي يا حبيب عود *** عد لي يا طبيب عود *** يا محلى الأمل وياك *** يا زين الجمال وشذاك ***عالبحر اغني هواك ***وبيدي مسكت العود ) وكانت في مقام الرصد وهي من كلماتي والحاني وغنائي

الأيام : إنتجت بعض أفلام الكرتون في مدينة السينما بالعاصمة الايطالية روما . كيف بدأت تجربتكم هناك وما هي نتائجها ؟

الفنان في جميع مجالاته يحظى بتقدير غير عادي في إيطاليا ؛ فهي بلد الفن والمسرح والموسيقى ، ومهد اعلام الثقافة من امثال ليوناردو دافنشي وفيردي وميكل انجلو ، وقد ذهبت لايطاليا في نهاية السبعينات عام 1978م وليس معي سوى بضعة مئات من الدولارات 500 خمسمائة دولار تقريبا ، وكان معي سيناريو بعنوان ذات الحذاء الذهبي وهو من وحي الأدب العالمي ” قصة سندريلا ” ، وهذا العمل كان جاهزا للتنفيذ بالسيناريو والرسومات الأولى ، وقد اعدت انتاجه برؤية جديدة بحيث يخدم أهداف تربوية ، كما هو شأن كل أعمالي مثل علاء الدين ، وبلاد الاقزام ، وذهبت إلى مدينة السينما في ايطاليا وقابلت  رئيسها وهو بمثابة وزير اعلام في الدولة وقد كانت مدينة كبيرة جدا بأقسامها المتعددة ، قسم التصوير ، قسم الطبع ، إلى أخر اقسامها الفنية .. ، وقد كان المسئول عن هذه المدينة يدعى السنيور بونتي وقد رحب بي وقدمت له نفسي كمخرج ومؤلف ومنتج أعمال تلفزيونية ليبي ، وأخبرته بأن لدي عمل تلفزيوني أريد أن انتجه ويحتاج لتمويل مالي ، وسألتهم إذا لم يكن لديهم اعتراض أن انتج هذا العمل في استوديوهاتهم على أن اسدد تكاليفه بعد تسويقه ، فما كان منه إلا ان وجه لي بعض الاسئلة الثقافية اذكر منها أنه سألني عن ليوناردو دافنشي ، واعماله الفنية الشهيرة ، وسألني على الموسيقار العالمي  فيردي واوبريتاته الشهيرة ، كعايدة وحلاق اشبيلية ، وبعد  ذلك أعجب بحواري معه واخبرني بأن الاستوديوهات والطبع والتحميض والمونتاج تحت تصرفي . وقد قمت بإنتاج عدد كبير من الأفلام هناك منها اصحاب الفيل ؛ وكان الجزء الأول منها هو صفحات مشرقة من سيرة الرسول عليه السلام ، والجزء الثاني كان المولد ، والجزء الثالث كان النشأة ، والرابع الوحي ، والخامس الدعوة ، والسادس نور وضياء ، والسابع الهجرة ، وتم انجازه بنجاح ، وحتى هذا الوقت يتم عرض هذه الأفلام في العديد من القنوات العربية .. وأذكر كذلك سفينة نوح ، وقصة سبأ ، وقصة آدم والعديد من الاعمال التي لا تحضرني الآن .

الأيام : هل تم دبلجة أو ترجمة أفلامك إلى لغات أجنبية ؟

عبدالله كريسته : نعم هناك العديد من أفلامي ترجمت ودبلجت إلى لغات أجنبية ، ويصل عدد هذه الأفلام إلى أكثر من خمسين عمل ، وكل هذه الترجمات والدبلجات كانت باللغة الإيطالية وذلك لكون أغلب أعمالي قد انتجت بإيطاليا ، ولكن بداياتي الأولى في الرسوم المتحركة كانت من هنا من ليبيا وعندما تخمرت في مخيلتي فكرة ضرورة أن يكون هناك رسوم متحركة عربية تحكي قصص مفيدة للطفل العربي قمت بتنفيذها في ايطاليا ، وأول هذه الأعمال هو عمل بعنوان ذات الحذاء الذهبي ؛ فالأعمال التي نفذتها قبل ذلك كانت رسوم اعلانية لشركة المختار للتأمين .. ، وأما عن القراءات الصحفية والانطباعات عن إنتاجي من الكرتون فقد تناولته العديد من الصحف الايطالية ، وتم اجراء العديد من المقابلات الصحفية معي واستضافتي في اهم البرامج المرئية في ايطاليا والدول العربية ..

الأيام : اقتصر انتاجك من افلام الكرتون على الأعمال ذات الصبغة التاريخية . لماذا ؟

عبدالله كريستا : لم يقتصر انتاجي على الرسوم ذات الصبغة التاريخية فقد انتجت مثلا ألف ليلة وليلة ، وحكايات المساء 65 حلقة وهي عبارة عن قصص متنوعة من الرسوم المتحركة ، ولدي العديد من الأعمال الكرتونية التي تغذي عقل الطفل بالمعلومات والحقائق العلمية في شتى حقول المعارف .

 

الأيام : احتفت عدد من العواصم العربية بشخصكم كرائد لفن الكرتون العربي كما وجهت لكم الدعوة لإنتاج افلام كرتون في الكويت . حدثنا عن ذلك ؟

عبدالله كريستا : عندما فكرت في انتاج الرسوم المتحركة العربية قمت بزيارة الكثير من الدول العربية في هذا الإطار ولكنني وجدت كل الترحيب والدعم والحفاوة بدولة الكويت التي زرتها في العام 1982م ورحبت بمشروع الرسوم المتحركة العربية كمسئولين وكوسائل اعلام وفعلا انتجت بالتعاون مع الأخوة في الكويت العديد من الأعمال الكرتونية التي ما تزال تعرض حتى الآن في العديد من القنوات العربية حتى أن بعض الصحف الكويتية أطلقت علي تسمية دزني العرب وقد طلب مني السيد محمد السنعوسي وزير الاعلام الكويتي في تلك الآونة أن أنفذ عمل كرتوني عن تاريخ الكويت وقد تم تنفيذه .

الأيام : ما تقييمكم لما تم تقديمه من أفلام الكرتون للطفل العربي طيلة العقود القادمة ؟

عبدالله كريستا : عملت منذ ثلاثة عقود على إنتاج رسوم متحركة عربية المضمون والمحتوى ، وبالنظر إلى ما يقدم الآن فهو في الحقيقة لا يتوفر على أي مضمون وقيمة تربوية أو تعليمية ، وهنا أخص بالذكر كذلك ما يقدم على شاشاتنا المحلية والذي لا يتوفر حتى على أدنى المعايير والمواصفات الفنية والتقنية , كما أن حواراتها ساذجة وليس لها مضمون.

أما عن كرتون السوبرمان والرجل الوطواط والغواصة الزرقاء وغيرها مما يفد إلينا من الغرب فهو مادة معدة أصلا لاستهلاك الطفل العربي والانحراف بتفكيره .

الأيام :  كتبت الشعر الغنائي وتغنى بكلماتك عدد من المطربين . بالعودة إلى الذاكرة من هم المطربين الذين تغنوا بكلماتك ؟

في الفترة التي قدمت فيها برامج الأطفال المرئية والمسموعة كنت أقوم بكتابة الشعر الغنائي وقد تغنى بشعري عدد من المطربين من أمثال محمود الشريف وخالد سعيد ومحمد رشيد وراسم فخري وناجية شعبان ومن المطربين العرب مها صبري وشريفة ماهر في مصر وفتحية خيري من تونس .

الأيام : لحنت وأخرجت عدد من الأوبريتات أشهرها أوبريت لك يا وطني . بما تذكر هذا الأوبريت ؟ 

اوبريت لك ياوطني يتكون من عدد من التيمات اللحنية العربية وهو يبدأ بتيمة نحن صغار ونولو كبار وهو من كلمات الشاعر علي الحاراتي ، وزمن الأوبريت هو 22 دقيقة ، ويتكون من عشرة ألحان كلها عبارة عن تيمات لحنية لعدد من الدول العربية ..

الأيام : رفضت دعوة شركة يابانية متخصصة في انتاج افلام كرتون لكتابة سيناريوهات لأعمالها . لماذا ؟

عبدالله كريستا : اتصلت بي شركات انتاج يابانية وطلبت مني كتابة سيناريوهات لأفلام كرتون ولكن عندما وجدت فيها إساءة لديننا الحنيف أوقفت التعاون معها .

الأيام : تم تكريمك في العديد من المهرجانات والمناسبات الثقافية المحلية والعربية والدولية . هل تذكر لنا ولو بعضها ؟

كرمت في مهرجان القاهرة السينمائي 6 مرات ، ومهرجانات الخليج العربي ، ومهرجان فينيتسيا في ايطاليا ، وقد تحصلت على الكثير من جوائز وشهائد التكريم التي لا أستطيع أن أذكرها على سبيل الحصر .

الأيام : ما هي نصيحتكم لمعدي ومقدمي برامج الأطفال اليوم ؟

عبدالله كريسته : أن يكون متخصص وأن يكون دارسا لعلم النفس ؛ فالموهبة لوحدها لا تكفي ما لم تقترن بالدراسة وعالم الطفل ميدان معرفي يحتاج إلى قدرات خاصة وخبرات مصقولة .

الأيام : إلى ماذا تعزو أسباب عزوف الاعلاميين المتخصصين والفنانين عن الاهتمام بفنون الطفل عموما ؟

عبدالله كريستا : ذلك يرجع في تقديري إلى ضعف التشجيع الذي توليه الجهات المختصة بهذا النوع من الفنون ، فالمطرب والقاص والمخرج والمؤلف المسرحي وكل من يمكن أن تكون له علاقة بفن وأدب الطفل يحتاج إلى التشجيع المادي والمعنوي لدفعه إلى المزيد من الانتاج في هذا الخضم ، وأنا لاحظت غياب هذا التشجيع ؛ فعندما قمت بإنتاج مواد فنية للكبار كأشعاري الغنائية ومسرحياتي كانت القيمة المادية لهذه الاعمال أكبر من القيم المخصصة لأعمال الطفل .. وهذا خطأ طبعا ؛ فالطفل هو المستقبل والاهتمام بثقافته يجب أن لا يقل أهمية عن الاهتمام بثقافة الكبار .

الأيام : – عربيا هل شاركت في منتديات أو هيئات تهتم بمجال ثقافة الطفل العربي بما فيها رسوم الكرتون ؟

عبدالله كريستا : أنا عضو مؤسس في جمعية ثقافة الطفل بالقاهرة والتي تأسست عام 1969م وتكونت عضوية هذه الجمعية من عبدالوهاب يوسف ، ويوسف السباعي ، والدكتورة سهير القلماوي ، والدكتورة عليا توفيق ، ومحمد عبدالله كريستا  .

الأيام : ما تقول للتربويين العاملين في مجال التعليم من معلمين واخصائيين ومرشدين نفسيين ؟

عبدالله كريستا : أقول بضرورة الاهتمام بالأطفال وخاصة في المراحل الأولى من اعمارهم منذ التحاقهم برياض الأطفال والسنوات الدراسية الأولى هو أمر في غاية الأهمية ويعطي نتائجه الايجابية المرجوة على المدى البعيد ؛ لأن الأطفال في هذه الأعمار خامة يتشكل فيها الطفل وفقا لما يتلقاه من تربية وتعليم واهتمام .

الأيام : شيء آخر تودون اضافته ..

عبدالله كريسته : أشكر جريدة الأيام ، وأحيي فيك روح الصحفي القدير , شكرا لك على هذا الحوار المتميز من بين عشرات الحوارات واللقاءات التي أجريت معي .

شذرات من الحوار

عبدالله كريستا للأيام : ” نحن صغار ونولي كبار ”  أول أغنية ليبية للطفل من تأليفي وألحاني وأدائي مع الأطفال ..

عبدالله كريستا للأيام : أنتجت أول أفلام الكرتون العربي ، والصحف العربية وصفتني بديزني العرب ..

الموسيقار كاظم نديم علمني الموسيقى وأهداني آلة عود

تشبعت بالفن الأصيل منذ طفولتي

أعددت وقدمت أول برنامج للأطفال لمدة 29 سنة متواصلة .

أول عمل كرتوني أنتجته كان عبارة عن إعلان ارشادي لشركة المختار للتأمين

في الستينات أصدرت أول مجلة للطفل بعنوان  ” مجلة الطفل “

ألفت وأخرجت عدد من المسرحيات التي عالجت مشاكل اجتماعية .

الفنانون لطفي بن موسى ومختار الاسود وإسماعيل ريحان من اكتشافاتي التي قدمتها للمسرح 

الناس كانت تمنع أطفالها من المشاركة في برنامج الأطفال وهذا أول تحدي واجهني

أنتجت 320 أغنية وأوبريت للأطفال و 2500 ساعة من أفلام الكرتون .

أعدت صياغة بعض القصص العالمية برؤية جديدة ذات مضمون تربوي

العشرات من أعمالي دبلجت وترجمت إلى اللغة الإيطالية.

تغنى بكلماتي عدد من المطربين العرب والليبيين من أمثل محمود الشريف وخالد سعيد ومحمد رشيد وراسم فخري

ساهمت بتأسيس جمعية ثقافة الطفل بالقاهرة عام 1969 م

شاهد أيضاً

23755637_1783073548668335_3460925113800445921_n

” جمرك بنغازي “: ضبط 40 حاوية لشركة وردت طوب إسمنتي بدل السكر

  كشف قسم مكافحة التهريب والمخدرات بنغازي وبالتعاون مع رجال مركز جمرك ميناء بنغازي عن …

أضف تعليقاً