الرئيسية / حوار / على ماهر : محمد الموجي وبليغ  حمدي وسيد مكاوي ووديع الصافي .. تعجبوا لعدم انتشار الأغنية الليبية .
12

على ماهر : محمد الموجي وبليغ  حمدي وسيد مكاوي ووديع الصافي .. تعجبوا لعدم انتشار الأغنية الليبية .

حوار / محمد الجنافي  

الجزء – 2

لا يحيط حوارا صحفيا برحلة فنان في حجم الموسيقار علي ماهر وإن أتى على بعض محطاتها ، ولا تحتوي عشرات الأسئلة مسيرته الفنية الزاخرة بإبداعه وإن أضاءت بعضا من جوانبها ؛ فخمسة عقود من إبداعه هي أحوج ما تكون لمداد المؤرخ والناقد يوثق للذاكرة الوطنية سيرة فنان أضاف بإبداعه إلى الأغنية الليبية المسكون بحلم تطويرها منذ لحنه الأول والمثقل بآمال بناء مسرحاً غنائياً ليبياً كان له سبق ريادته بأوبريتاته هند ومنصور والأرض وأبو العيلة ..

فعلى خطى عباقرة الموسيقى سلك علي ماهر – طوالي – وبلا تدرج طريقه إلى مصاف نجوم الموسيقى الليبية والعربية عبر ألحان روائعه الأولى – طوالي مروح طوالي – بلد الطيوب – سلامي قله شيلي يا تيار – لتستقر في وجد الليبيين حنينا للوطن ، وتغزلا بدروبه ، ومناجاة لشطآنه ، وظل كما بدأ متألقا على سدة إبداعه مضيفا من روحه إلى معزوفاته الآخذة بشغاف القلوب ..

فعندما بدأ علي ماهر – الفنان الشاب – مشواره الفني من قسم الموسيقى بالإذاعة صيف عام 1967م كان السؤال حاضرا بقدر الإعجاب – أين صقل موهبته ؟ ، ومتى بدأت ؟… وإلى ما ستنتهي ؟ – ثم لتمضي الأسئلة في  تراكمها عبر عقود إبداعه المتفرد والتي لم تتجاوز خلالها مقابلاته الصحفية الخمسة مرات ، وإن تجاوزت ألحانه المتجددة والمنتشرة بأصوات أعلام الطرب الليبي والعربي المائتي أغنية أثرى بعذوبة ألحانها مكتبة الأغنية الليبية والعربية .. فكان لزاما والحال هذه السعي إلى قراءة أغنيتنا الليبية – ماضيا وحاضرا وآفاق – عبر أحد أهم أعلامها…فلعل إيقاد شمعة لتضيء ولو سطورا من تاريخ ثقافتنا يستدعي أنوار مشاعل التأريخ والنقد لإنارة ذاكرة  تمتلئ بسير أعلامها الملهمة  لأجيالنا القادمة .

وعن حوارنا فبقدر عذوبة سماع ألحان الموسيقار المبدع علي ماهر تبدو قراءة سيرة ابداعه ورؤاه وتطلعاته التي نأمل أن يكون الحوار قد ألم ولو ببعضها .. قراءة ممتعة .

 

الأيام : لم تقتصر علاقتكم بالمسرح على المرحلة المدرسية والجامعية بل استمرت إلى جانب إبداعكم الموسيقي . فما هي أسماء المسرحيات التي شاركتم فيها ، ومن هم مؤلفيها ومخرجيها ؟ وما هي آخر هذه المشاركات ؟

الموسيقار علي ماهر : كل الاعمال المسرحية التى شاركت بها كانت ضمن النشاط المدرسى أو الجامعى فى فترة الدراسة وكان آخر مساهمة لى في النشاط المسرحى هو مشاركتى في تقديم مسرحية أغنية على الممر في مهرجان المعهد العالى للموسيقى والتمثيل عندما تشاركت إدارته مع الأديب الصديق الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه .

13

الأيام : انفصال الشباب عن مكونات ثقافتهم ، وبالأخص الغناء والموسيقى إلى ماذا ترجعه ؟

الموسيقار علي ماهر :هناك فجوة فنية بين الأجيال أدت إلى انقطاع التواصل بينها ؛ فجيل الستينات والسبعينات لم يتواصل مع الأجيال الحالية ؛ والجيل الذي جاء بعد السبعينات تربى على غياب الموسيقى والمسرح ؛ والنتيجة أن هناك شباب الآن لا يعرف من هو كاظم نديم ولا من هو علي ماهر ، وهو لا يلام لأنه قد فصل عن ثقافته ، وهذا أدى بالشباب إلى وجهات فنية غربية ليست لها علاقة بثقافتنا وتراثنا الفني .

الأيام :  اكتشاف وصقل المواهب الغنائية الشابة يبقى دائما رهينا بجهود قامات فنية من طرازكم . ما هي جهودكم ومساهماتكم في هذا الخصوص ؟

الموسيقار علي ماهر : في الوقت الذي كنا فيه شباب وكنا في محيط وظروف ملائمة عملنا في هذا الاتجاه ؛ فأول أعمال الفنان الراحل محمد السليني كانت من ألحاني ، ومحمود كريم استمر تواصلي معه من ثاني عمل له وحتى سنوات طويلة .. ، والعمل الثاني لخالد سعيد  كان من ألحاني ، وهكذا الأمر مع الكثير من الأصوات ، وبخصوص الاكتشاف فالآن نحن مفتقرين حتى لقناة للثقافة ، فأنا وكثير من الزملاء تبنينا مواهب في فترة الثمانينات والتسعينات ولكننا لم نجد مجال لتنميتها وإظهارها ؛ فالفن والإبداع لا قيمة له ما لم يصل للناس ، والمشكلة عندما تفقد وسيلة الوصول للمتلقي ؛ فأنت تقوم باكتشاف وبناء المواهب حتى توصلهم وتقدمهم للناس ،  وهذه المشكلة أصبحت ظاهرة عامة محليا وعربيا ؛ فالقنوات العربية التي تقدم برامج الهواة ينتهي فيها نشاط الهواة  بانتهاء البرنامج ..يعني مجرد استعمال للمواهب في عدد من الحلقات وتنتهي في ما بعد ؛ فالوعي الثقافي للأسف تدنى تماما وأصبحت المادة هي المسيطرة  .

الأيام :  بلد الطيوب كان سيغنيها عبدالهادي بلخياط لولا تدارك ذلك وإحالتها على الفنان محمود كريم الذي أداها وبمنتهى الروعة . ألا تعتقد بأن ألحانكم التي تغنى بها فنانون عرب كانت ستكون أفضل لو غنتها أصوات ليبية ؟

لا ليس الكل وطبعا ليس هناك شك بأن كل صوت له لونه ، ولكن ليس هناك شك في قدرات  نجوم كبار مثل عبدالهادي بلخياط ووديع الصافي وميادة الحناوي ، وليس لدينا أصوات على المستوى المحلي بهذه القدرة ، فليس شرطا أن لو غناها ليبي تكون أفضل ، أما ظرف بلد الطيوب فقد كان لسبب سياسي وليس فني ؛ أو بالأحرى استكمال لطبيعة العمل فبلد الطيوب تتغنى بليبيا وكان من الأفضل أن يغنيها صوت ليبي .

الأيام : الأصوات النسائية الليبية كانت موجودة برغم قلتها إلا أنها لم تتغنى بألحان الموسيقار علي ماهر التي غنتها فائزة أحمد وأصالة نصري وسعاد محمد وميادة الحناوي وعلية وغيرهن . لماذا ؟

الموسيقار علي ماهر : عدد المطربات الليبيات كان قليل وكلهن كن في بنغازي كتونس مفتاح وسالمين الزروق وفاطمة أحمد ؛ ولهذا فالتواصل معهن كان شبه مقطوع ولا نلتقي سوى في المناسبات فقط  ؛ كما أن ظروف المرأة كانت صعبة والمجتمع ضد غناء المرأة ..وقد اكتشفنا أصوات نسائية كثيرة ولكن للأسف الشديد ثقافة المجتمع كانت تحول دون تقديمها واستمرارها ، وفي أواخر التسعينات اكتشفنا صوت رائع جدا لفتاة ليبية اسمها سارة وكان على مستوى عربي وقد استمرت لسنوات معدودة وتوقفت ..وحتى الأصوات التي كانت موجودة لم تكن على قدر من التفرد والقدرة الفنية فقد كانت أصوات بسيطة ، ولكنها هي الموجود في ظل غياب وعدم وجود أصوات قادرة على رأي المثل الذي يتحدث عن الأعمش في بلاد العميان .

الأيام:  زمن الفن الغنائي الجميل بألحانه وأصواته ونصه وآلاته . هل بات شيئا من الماضي ؟

الموسيقار علي ماهر : بالنسبة للفنون بشكل عام وفي الوطن العربي بالكامل فقد تدنى مستواها وبدرجة كبيرة للأسف ..ففي زمن الاغنية العربية الجميلة كان هناك مشروع قومي في الوطن العربي وهو الوحدة العربية ؛ فقد كان هناك هدف للعرب وقد تكسر هذا الهدف منذ نكسة 1967م ، وقبل ذلك كانت المجتمعات العربية تعيش حالة من الازدهار وترقب الأمل إضافة إلى أنه كان هناك بعد نكسة المشروع القومي غزو ثقافي من قبل القوى الاستعمارية بشكل كبير وعام وغير طبيعي للعالم العربي ، وهذا الغزو ينفذه أعداء المشروع الثقافي العربي ، وكل هذا يحدث وفقا لمراحل مخطط لها على مدى عقود استهدف كل المجتمعات العربية دون استثناء فأصبح هناك الآلات الغربية والأكل الغربي والجيينز والهامبورغ ؛ فالمسرح والموسيقى والفن التشكيلي كله مختلف عن حقبة الستينات وقد فقد قيمته ومضمونه ومن هنا جاء تعبير الزمن الجميل الذي كان فيه ابداع حقيقي يتعلق بالثقافة العربية الأصيلة ، ونظر لوفاة رموز هذه الحقبة الثقافية فقد بدأ الصعود الثقافي في التدني والهبوط ، وتجد الملحنين من الشباب يعيشون نوع من السذاجة في الإبداع فتجد الجملة مكررة عند كل الملحنين .. هي نفس الجملة مع وجود قليل من اختلاف الايقاع هنا وهناك لكنها نفس التركيبة والبناء ، فلا وجود لطموح في البحث عن اشياء اعمق ؛ فالجيل انفصل عن الزمن الذي فات ، وتعرض لغزو فكري ، ومن هنا أصبح هناك زمن جميل وزمن هبوط إلا إن الزمن يحتوي الكثير من حركات الصعود والهبوط لإنتاج المجتمعات الثقافي .. وذلك يرتبط بتغير تكوين المجتمعات ورقيها أو تدني حياتها .

33

الأيام : أنماط غنائية جديدة مثل الراب وغيره تستهوي اليوم قطاع واسع من الشباب . ما هي قرأتكم لذلك ؟

الموسيقار علي ماهر : هذا يأتي من قبيل التوافق مع النمط الغربي الذي حدثتك عنه ؛ فالراب ذو طابع غربي وإيقاع راقص على جملة لحنية جزائرية وقد وجد له هوى لذى الشباب لأنهم يبحثون عن منطلق أخر غير الشرقي وذلك نتيجة الفراغ الثقافي الذي يعيشونه .

الأيام : كان  لألحانكم العذبة حضورها في الارتقاء بالأغنية الليبية في حين لم يكن لكم اهتمام يذكر بالتأليف الموسيقي . لماذا ؟

الموسيقار علي ماهر : عدم الاهتمام هذا غير مقصود فأنا عندي مؤلفات موسيقية ولكنها لم تأخذ طريقها للتنفيذ والمتلقي وبقت في مكتبتي الخاصة ، ولكن وبشكل عام فغياب الموسيقى الصامتة هو نتيجة للتدني الذي نعيشه منذ عقود في كل منطقتنا العربية ؛ فحتى لو أتينا لمصر كقيادة للفنون مثلا تجد أن الخمسينات و الستينات  كان فيها تأليف موسيقي ؛ فعبدالوهاب يؤلف قطع موسيقية ، وكذلك فريد الأطرش والسنباطي ثم انقطعت فيما بعد ، ونحن في ليبيا لم نجد أمامنا زخم في تأليف الموسيقى الصامتة وهناك سبب آخر وهو أنك تجد المتلقي عازف حتى على سماع الأغنية ، ووسيلة تواصله معك بسيطة وقليلة ، فكيف في هذا الحالة ننتظر منه أن يستمع للموسيقى الصامتة ؛ كما أن هذا النوع من الموسيقى له متطلبات ، وهو عبارة عن كتابة تعبير ومعنى غير منطوق ومكتوب بلغة الموسيقى  فقط ؛ ففي الأغنية توجد كلمة توصل  المعلومة ، أما الموسيقى الصامتة فلا ، وهنا لا بد ان يكون هناك متلقي على مستوى متقدم من الثقافة والإدراك للفنون لفهمها مع وجود فرق موسيقية على مستوى كبير .

الأيام :  ما هو الإطار الفني الذي تضع فيه تميز المالوف الليبي عن نظيره المغاربي ؟

الموسيقار علي ماهر : الفرق لم يأتي من القدرة بل من الطابع الذي تكون بتأثير التاريخ والجغرافيا وبالذات الجغرافيا ؛ لأن الفنون تنتقل من مكان إلى مكان عبر الزمن ، وبألوان ، وكلما ابتعدت عن الأصل كلما شابها التغيير ؛ فعندما تأتي للمغرب تجدها لصيقة جغرافياً بالأندلس التي نشأ فيها فن المالوف والموشحات ، فالمغرب أدخل على المالوف شيء بسيط من الشرق ولكن الجملة والمقام بقى كما هو غربي وطابعه أقرب للأندلس فمقام المالوف بقى في المغرب كما هو قريب جدا من الطابع الاندلسي .. وصحيح أن الحضارة الأندلسية كانت عربية  ولكنها كانت متأثرة بالأسبان أي بالغرب ، وكانت بعيدة عن المصدر الذي هو الشام والعراق والمنطقة العربية  وبقت تتأثر بأصلها في الغرب ؛ فأصبح المقام غربي أقرب منه إلى الشرقي ..وعندما تأتي للجزائر تجد هناك نوع من التطور البسيط في المقام ، وعندما تصل لتونس تجد اللون الشرقي قد بدأ يظهر في المالوف ، ومازالت الجملة التي أصبحت خليط شرقي غربي قريبة من الغرب ، وعندما تأتي إلى ليبيا التي هي منطقة الوسط جغرافياً والقريبة من الشرق والغرب تجد أن التمازج بين الجملتين الشرقية والغربية قد تحقق فيها ؛ ففي ليبيا تشكل الجسم الكامل للجنين الذي بدأ في التكون في الأندلس والمغرب والجزائر وتونس .

الأيام : ناصر المزداوي – أحمد فكرون – حميد الشاعري – نجيب الهوش كيف ينظر الموسيقار علي ماهر إلى القاسم اللحني المشترك لهؤلاء الفنانين الليبيين ؟

الموسيقار علي ماهر : هو نفس الظاهرة التي تحدثنا عنها بوصفها بداية الاتجاه للغرب والبعد عن الأصول الثقافية بشكل عام ؛ فتجد حتى اللون الموسيقي نفسه غريب عن الأذن الشرقية ويعتمد على الرقص والإيقاع أكثر من اعتماده على الجملة الموسيقية الشرقية ؛ فالمتلقي يسمع إيقاعات أكثر من سماعه للجملة ؛ ففي الستينات مثلا تستمع لأم كلثوم بكل ما أوتيت من تذوق ، والآن تسمع الأغنية مثل ما قال الموسيقار عبدالوهاب وكأنها سندويتش تأكله وترمي الورقة وأنتهى ..وأنا أقول بأنه ليست كل أغانيهم سيئة ، ولكن اغلبها اعتمد على الفراغ الثقافي الموجود ؛ يعني عبدالحميد الشاعري مثلا ظهر في فترة فراغ كامل يعني انقطاع الأعمال الفنية لعباقرة التلحين والغناء من الفنانين الكبار أمثال عبدالوهاب والسنباطي والموجي وسيد مكاوي وغيرهم  وهذا الفراغ هو ما أتاح لهذا النوع من الموسيقى الوصول للناس التي كانت متشوقة للاستماع  ولم تلقى سوى هذا اللون وشعرت أن هناك نوع من التغيير في الموسيقى فبدأ اهتمامها بها ، ولكني أعتبر أحمد فكرون جيد وكذلك ناصر المزداوي فهم وجدوا قبول لدى الناس الذين شعروا بالتغيير السائد .. ، ولكن هل هذه الظاهرة تحسب في التاريخ الفني العربي ؟ فأنا رأيي بعض أعمالهم فقط ، فهذه الظاهر لا تشكل ذاكرة في تاريخ الفن العربي فهم منقطعي الصلة بالفن العربي ولن يشكلوا ذاكرة للتراث العربي.

الأيام : ما هي الإضافة التي أحدثها تطويعكم لآلات موسيقية غربية إيقاعية كالقيثارة والساكسفون لألحانك ؟

الموسيقار علي ماهر : إدخال هذه الآلات في التأليف الموسيقي هو تسخير لها في الجملة الشرقية ؛ فالسكسفون عزفته في ألحاني شرقي وليس غربي ، والقيثار أيضا عزفتها شرقي وليس غربي ؛ فهذه الإضافة لا تؤثر على الجملة الموسيقية واللون الشرقي فقد كانت مجرد استغلال لقدرات الآلة وتطويعها في الجملة الموسيقة الشرقية ، وهذه لم تحصل معي فقط فالموسيقار الشرقي و الهرم العربي الكبير محمد عبدالوهاب أدخل هذه الآلات ، وكذلك كثير من الملحنين كبليغ حمدي وغيره ..

الأيام : في لمحة موجزة ما هي قراءتكم لمقامات وإيقاع الأغنية الفلكلورية الليبية ؟

الموسيقار علي ماهر : 90 % من إيقاع الاغنية الليبية يشكل ايقاع واحد مثل السوكني والطرابلسي والمرسكاوي .. يعني كل إيقاع يحمل سمة خاصة ولكنها تقع ضمن الإيقاع الليبي بشكل عام فنحن لدينا تنوع في الجملة في الاغنية ؛ فالأغنية في الجنوب غير التي في الشرق وغير التي في الغرب وغير الأغنية الطرابلسية ، وهناك تنوع حتى في الأهازيج القديمة ؛ فحتى مساحات جغرافية بسيطة وليست كبيرة مثل غريان تجد فيها تيمة معينة ، وأغاني طرابلس القديمة مثل أغاني الزمزامات تجد فيها تيمة مختلفة ، وفي كل مدينة تجد هناك تيمة مختلفة عن غيرها لكنها تظل حبيسة المكون الاجتماعي الصغير ولا تنتشر انتشار كامل في كل ليبيا ؛ فتجدها فقط في تراث القبيلة والمنطقة .

الأيام : هل يمكننا القول بأن أحد هذه الألوان هو الذي مثل الاغنية الليبية فعرفت به دون سواه ؟

الموسيقار علي ماهر : لا أبدا الأغنية الطرابلسية لون والشرق لون والجنوب لون ، وفي داخل هذه المكونات تجد ألوان مختلفة ، ومن هذا كله تشكلت الأغنية الليبية  .

الأيام :  ما هي أسباب عدم انتشار الأغنية الليبية عربيا ؟

الموسيقار علي ماهر : الإعلام هو السبب فلهجتنا الليبية مفتوحة ومفهومة ولم ينقصها سوى الانتشار الذي لم يتحقق بسبب الإعلام ؛ فليس لدينا وسائل إعلام وقنوات فضائية متخصصة تنقل الأغنية الليبية للمستمع العربي ؛ فإيصال الإنتاج الفني يحتاج إلى مؤسسات وطالما ليست هناك مؤسسة تدفع بالفنان وتسوق إنتاجه فلن يكون هناك انتشار للأغنية الليبية وعندما استمع الفنانون العرب من أمثال محمد الموجي وبليغ حمدي وسيد مكاوي ووديع الصافي للأغنية الليبية تعجبوا وتسائلوا كيف أنها لم تصلهم وهي على هذا القدر من الإبداع والقيمة الفنية ؛ فمحمد عبد الوهاب عندما زار ليبيا أخذ جملة موسيقية لأغنية ” بعت المحبة ” للفنان محمد رشيد ووضعها في مقدمة موسيقية لأغنية لأم كلثوم ولا تحضرني هذه الأغنية الآن ، ولكن هذا حدث ، والأغنية السعودية مثلا بدأت بطلال المداح ومحمد عبدالوهاب وهؤلاء انتشروا عربيا  بسبب وجود قوة دافعة لهم من الدولة السعودية التي دعمتهم ماديا ومعنويا إلى ان صاروا نجوما معروفين ؛ فالسعودية عملت على نشرهم وفرضهم شبه فرض في مصر ..ونسبة كبيرة من القنوات الفضائية الموجودة الآن  تكاد تكون 90%  أو 80% هي قنوات سعودية ..

الأيام : كما أن للأغنية دورها في تأجيج المشاعر في الحروب واستنهاض الهمم في البناء فكذلك لها دورها وتأثيرها في الدعوة إلى المصالحة والوئام و اللحمة الوطنية . ماذا قدم الفنان علي ماهر في هذا الخصوص ؟

الموسيقار علي ماهر : الفنان عبارة عن بوتقة تنصهر فيها جميع التفاعلات الاجتماعية والسياسية ويخرج الإبداع والإنتاج بشكل عفوي ؛ فأحيانا حتى الأغنية التي لا تدعو للتصالح وهي مجرد عمل غنائي جميل يؤثر في الناس ويرقى بمستوى عطائهم ؛ فهذا دور الفنان عندما يكون المجتمع غير متوازن الفنان يعيد التوزان له وهكذا الأمر بالنسبة لكل مبدع كالقاص والروائي والشاعر والرسام ولكن المشكلة تكمن في عدم وجود قناة لتوصيلها ؛ فاليوم المجتمع يعيش حالة من الانهيار والقسوة ، والوسيلة الإعلامية شبه ممنوعة فمنها ما كانت موجودة ومنها ما منعت بالقوة ، وليست هناك قناة يجتمع عليها الليبيون ويسمعونها ويشاهدونها ؛ فالقنوات كلها سياسية والعمل الفني لا يهتموا به ؛ فالدمار الحاصل في المجتمع كبير جدا بحيث من الصعب أن تبني فيه حتى حجرة ، كما أنك تفتقد تماما لأداة البناء ؛ ولهذا فتجد أن كل الفنانين قد انزووا إلى أن تمر هذه الموجة ويبدأ المجتمع في بناء نفسه ، وطبعا الظروف السياسية وبالدرجة الأولى هي التي تخلق هذا الانهيار السياسي والاقتصادي والثقافي ، وأول ما تبدأ الرغبة الصادقة في البناء من قبل السياسيين فالكل عندها سيشارك وسيؤدي دوره سواء من الفنانين أو غيرهم .. أما الآن فكيف تنتظر من مواطن يقف على باب مصرف من الساعة الـ 7 صباحا حتى الـ 7 مساء أن يستمع إلى عمل غنائي ، وآخر لا يستطيع أن يطعم أطفاله ، وغيره لا يستطيع أن يحصل على العلاج .. ؛ فالدور الثقافي دور داعم للتغيير ، والدور القيادي للسياسي فالفن يزدهر في أوقات يكون فيها المجتمع متوازن ومستقر ، والمبدعين في كل العالم خرجوا في ظل أنظمة سياسية مستقرة ؛ يعني فيها ملوك وأمراء وقصور ومؤلفي الموسيقى العالميين من المبدعين مثل عبقري الموسيقى  باخ ظهروا في هذه الأجواء بالرغم من أنهم لا يملكون شيء لكن الجو العام مستقر ولهذا فقد ابدعوا ووجدوا مجال لاستقبال ابداعهم من قبل الناس ، لكن عندما يكون مجتمع قد أصابه الدمار فصعب أن تبني ؛ فالفن بناء والبناء يحتاج أساس يعني أن يكون  فيه خطوات للإصلاح .

الأيام : ظلت الأغنية المصورة أو الفيديو كليب خارج دائرة ألحانكم . فما تفسيركم لذلك ؟

الموسيقار علي ماهر : بالعكس فأنا كان لي عمل في أوائل السبعينات من أيام التلفزيون ابيض وأسود بعنوان في – آخر الليل – هذا العمل كان فيه نوع من بوادر الفيديو كليب في التصوير وما يشبه القصة وشكل فني ، وقصيدة  -غني لي الليلة – التي اداها الفنان عبدالهادي بلخياط صورت بطريقة  الفيديو كليب يعرض فيها موديل إلى جانب المطرب للتعبير عن المضمون وجدة في الشكل ولكن فيما بعد تم إلغاء هذا التصوير وتم وضع مناظر لزهور بدلا منه ، وهذا نوع من منع المشاهد أن يرى الجمال ..أما الفيديو كليب الحالي للأغاني العربية فهو عبارة عن مناظر تخاطب الغرائز الجنسية للمتلقي ليس أكثر ..

 

الأيام : هل لا تزال هناك عواصم عربية بعينها لصناعة النجومية ؟

الموسيقار علي ماهر : تظل القاهرة ، والسؤال هو كيف يصبح الفنان نجم ؟ يصبح نجم بإبداعه الراقي وبوجود جهة تتبناه وتصنع منه نجما . وبالنسبة للمغرب الغربي فالفنان فيه غير منتشر والقاهرة كانت وسيلة لهذا الانتشار على المستوى العربي ، والآن الخليج أخذ الدور ، لكن القاهرة ظلت عاصمة لكل العرب إلى غاية هذه اللحظة ، والذي لم يجد فرصته في أي مكان آخر يجدها في القاهرة أو بيروت ، ولكن بيروت على درجة أقل ؛ فإمكانيات القاهرة أكبر والقاعدة الشعبية فيها أكثر ؛ فلو نجح  فنان وتم التسويق لإنتاجه في مصر التي عدد سكانها 100 مليون لأستمر وحقق النجاح .

 

11

الأيام : تعنى المسابقات الإذاعية بتباري الأصوات الغنائية فيما لا تحفل بذات القدر بالشعر الغنائي واللحن . ما هي الأسباب في رأيكم ؟

الموسيقار علي ماهر : التوجه الآن فيه نوع من السذاجة والفراغ في مضمون أي عمل إعلامي أو ثقافي ..الاهتمام بالأغنية لم يأتي بنية الاهتمام بالمضمون الثقافي لها لقد جاء بهدف تسلية الجمهور واستغلال مواهبهم ومحاولة إظهارها للناس في وقت محدد ثم تنتهي القصة ؛ فالباعث على إنتاج هذه البرامج ليس ثقافي يبحث عن تقديم أصوات جديدة وأعمال جديدة بل دافع مادي يستغل الأصوات ، ومجرد تسلية ومصدر للكسب لا أكثر ولا اقل ؛ فليس هناك ما يبعث ويحض على الاهتمام بفروع ثقافية أخرى مثل المسرح فكلها برامج استهلاكية لتحقيق أرباح واستغلال مواهب صاعدة ثم تنتهي القصة لهذا الحد ، وليست هناك نتائج في التصفيات ما بين الموهوبين ؛ فالمتميز يترك لقدره ولا يتواصل الاهتمام به وتبنيه والدفع به بمتابعته بعد اكتشافه ؛ فليس هناك انبعاث حضاري تاريخي في فكر الإعلام من حيث البحث عن طريق لترسيخ ثقافة راقية في بلادنا العربية لدرجة أن اللغة العربية نفسها في خطر ؛ فالمذيعين يتكلمون لغة عربية تنطق خطأ وتتخللها المفردات الاجنبية ، والضيوف في البرامج يتحدثون الانجليزية ؛ فحتى اللغة العربية التي تشكل ذاتنا في خطر وتفتقر للاهتمام بها وهذا كله نتيجة للانحطاط الحضاري الذي يعانيه العرب ..

الأيام : كيف تقيمون دور المدارس العامة والمتخصصة ” المعاهد والجامعات “في تعليم الموسيقى ؟

الموسيقار علي ماهر : دور النشاط المدرسي والنشاط الثقافي في المدارس من أهم المواضيع بل أهم أحيانا حتى من الدراسة العلمية ؛ لأن ذلك يعني تشكيل شخصية للإنسان بشكل عام وتشكيل قدراته الفكرية وتعطيه اتساع في الأفق يمكنه من هضم العلوم التي تلقاها ، النشاط الثقافي من أهم العناصر التي تكون الانسان بشكل عام ؛ فالنشاط يشكل ذوق الانسان حتى إذا كان ليس موهوبا ؛ فالذوق عبارة عن إحساس بالجمال الذي ينعكس على حياة التلميذ الشخصية والأسرية والاجتماعية  فيصبح الانسان في مجتمعنا سوي ،  وحتى عندما يكبر يصبح متربي على منهج جمالي معين في حياته وفي ملبسه وتعامله مع الآخرين فهذا كله يتشكل من البنية الأساسية التي هي في المدارس من رياض الأطفال إلى الجامعة ، وهذه طبعا تجربتنا نحن فمرحلة فناني ومبدعي ما بعد الستينات كلها تكونت في النشاط المدرسي بكل ألوانه الثقافية رسم وموسيقى وتمثيل ونحت ورياضة وكل ما ينمي الطاقة الكامنة لدى الناشئة ؛ فعندما تفرغ طاقة الطفل في مجال مفيد فالخير سيعود عليه في نفسيته وعقله وإحساسه بالجمال والحياة وحرصه على التعامل بجمال مع الحياة ؛ فهو عبارة عن لبنة تشكلها كما تشاء بالنشاط ، وعندما ينعدم هذا الدور فتصبح المسألة مادية بحثة ، ولكن عندما يذهب الطفل للمدرسة ليتعلم الحساب واللغة العربية والدين والجانب الثقافي معدوم فسيصبح في هذه الحالة إنسان بدون هوية .

الأيام : الوسط الفني يعيش حالة من التصدع والجمود ولم يتجاوز هذا الواقع . ما تعليقكم ؟

الموسيقار علي ماهر : للأسف مازال هناك تشتت لأن عامل الجمع مفقود ، وليس هناك ما يجمعهم على هدف معين ، فالإنتاج معدوم والفرق الموسيقية لا تعمل ، وأي مؤسسة ثقافية للإبداع والإنتاج معدومة ، ولا وجود حتى لمنتدى عام للفنانين .

الأيام : هل هناك ما تودون إضافته ؟

الموسيقار علي ماهر : بارك الله فيك وبصراحة الحديث معك كان كاملا وشاملا وهذه المرة الاولى منذ سنوات طويلة التي ألتقي فيها بصحفي مثل حضرتك مهتم بإعداد الأسئلة التي شملت كل ما يجب أن يقال تقريبا ؟

 

شاهد أيضاً

1

تقرير أمريكي يكشف تراجع شعبية حكومة السراج

أكد مركز ستراتفور الاستراتيجي الأميركي، على ضرورة أن تشمل أي تسوية سياسية سلمية في ليبيا …

أضف تعليقاً