الرئيسية / تحليلات / في تفكيك تفخيخ الإرهاب
1280x960

في تفكيك تفخيخ الإرهاب

1280x960

سليم يونس

احتفى تنظيم الدولة الإسلامية في كل أماكن تواجده بعمليات التفجير التي طالت عاصمة الاتحاد الأوروبي، والتي راح ضحيتها العشرات بين قتيل وجريح، وهي العملية التي جاءت بعد أيام من تمكّن سلطات الأمن البلجيكية من إلقاء القبض على أحد المشتبه بهم الرئيسيين في هجمات باريس.

ولاشك أن هذه العملية كشفت أن الإرهاب الذي تعرضت له أوروبا هو نتاج ثقافة التشدد التي انتشرت بين المهاجرين المسلمين في تلك الدول الأوروبية نتيجة انفصام ثقافي وفكري مع تلك المجتمعات، وعدم التكيّف الإيجابي معها، إضافة إلى كونهم نتاج أحزمة البؤس الاقتصادي في عواصم تلك الدول.

والمفارقة أنه كان قد غُض الطرف عنهم من قبل أجهزة تلك الدول لعقود؛ باعتبارهم لا يشكلون تهديداً لأمنها، ومن ثَم لا بأس من أن يتم توظيفهم ضد دول أخرى عند الضرورة.

وربما يلقي ــ ما ذكره الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أن بروكسل لم تأخذ تنبيه أنقره المسبق من أن بعض منفذي العملية الإرهابية كانوا في سوريا على محمل الجد، أو ما ذكره رئيس وفد سوريا بشار الجعفري في مفاوضات جنيف من أن منفذي تلك العملية كانوا يقاتلون مع المجموعات الإرهابية في سوريا, والسلطة البلجيكية تعرف ذلك ــ بعض الضوء على كيفية تعامل هذه الدول مع تلك المجموعات المتشددة، طالما اقتصر تهديدها على الدول الأخرى خارج القارة العجوز؛ كجغرافيا ومصالح.

هنا لا يمكن تجاهل التشجيع المباشر أو غير المباشر لهؤلاء؛ عندما كان الأمر يتعلق بالقتال في سوريا أو العراق أو أفغانستان أو ليبيا، فهم هناك كانوا مجاهدين، ولكن المعايير تختلف بشكل جذري عندما يتعرضون للأوروبيين ومصالحهم؛ في حين أن الإرهاب هو إرهاب مهما كان المستهدف سواء كان في بروكسل أو سرت أو بنقردان أو في سوريا أو بغداد أو حتى كابول.

والمشكلة الأخلاقية قبل أن تكون قانونية وإنسانية؛ هو عندما قامت تلك الدول الأوروبية بتوفير ملاذ آمن لهم باعتبارهم مواطنين أوروبيين، مع معرفة تلك الدول التامة بطبيعة الفكر الدموي الذي يحملونه، دون أن نتجاهل قيام بعض تلك الدول بتوظيف هذا الإرهاب، إما صمتاً أو تشجيعاً مباشراً أو غير مباشر؛ ضد الآخرين بهدف تحقيق مصالحها؛ بغض النظر عن مدى مشروعية هذه الأفعال بالمعنى الإنساني.

في حين أن الكثير من الدول المتضررة لطالما نادت بتجريم أفعال تلك القوى، باعتبار أنها تحمل فكراً دموياً؛ وأنها لا تحمل مشروعاً سياسياً يؤمن بالحرية والديمقراطية والقانون والمواطنة والدولة المدنية؛ لكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح لأن أجندة الدول الغربية حينها كانت في مكان آخر.

ومن ثم عندما يوحِّد الفعل الإرهابي بروكسل مع بنقردان ودمشق يصبح شرطُ المواجهة واجباً إنسانياً وأخلاقياُ وقانونياُ، لكن يبقى السؤال كيف نواجه الإرهاب؟! ولعله من نافلة القول هنا؛ الإشارة إلى أن الإرهاب هو محصلة جملة شروط فكرية وثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية، ومن ثم فإنه دون تفكيك عقدة الإرهاب، وتفكيك التفخيخ الذي كون شروط هذا الإرهاب، الذي أُقدِّر أنه لن يكون أمنياً وآنياً فحسب، وإنما هي مواجهة طويلة معقدة تستهدف تحييد كل العناصر المنتجة لهذا الفكر حتى يتم القضاء عليها تماماً، باعتبار أن هذا التشدد الدموي هو نتيجة، خلقتها جملة تلك الشروط المفارقة، ولهذا فإن مواجهة هذا التشدد الدموي ستكون بالضرورة؛ معركة متعددة الأدوات وطويلة النفس.

ومن ثم فإن النجاح في مواجهته يتطلب أن يتوحد العالم، كون هذا الخطر يستهدف الجميع دون استثناء.

 

أضف تعليقاً