الرئيسية / مقالات / قصف العقول .. الموت والرغبات الثلاث// هيثم جمال الزوي
48266652_1693278600777342_7647561974905044992_n

قصف العقول .. الموت والرغبات الثلاث// هيثم جمال الزوي

بالعودة بالذاكرة إلى سنوات مضت لا أذكر متى بالتحديد ولكن قد يكون ذلك بين سنتي2009 – 2010، كان هنالك موسما ثقافيا فكريا فلسفيا مميزا قامت بتنظيمه إحدى الأكاديميات هنا في ليبيا وكنت قد شاركت في عملية تنظيمه وذلك بأن كنت مشرفا على العلاقات الدولية حيث قمت بإستدعاء نخبة من أرفع الأكاديميين والمفكرين والفلاسفة الغربيين للقدوم والمشاركة في فعاليات ونشاطات هذا الموسم وإلقائهم لمحاضرات في شؤون الفكر والثقافة بمختلف مجالاتهما وهذا ما قد حدث بالفعل، وفي أحد الأيام أثناء قيامي بمواصلة عمليات التنسيق، قمت بالتواصل مع إحدى الشخصيات الأكاديمية المرموقة وهو البروفسور البريطاني “فيليب تايلور” مؤلف أحد أهم الكتب في مجال الإعلام المعاصر وهو كتاب يحمل عنوان “قصف العقول” حيث إنه لأهمية هذا الكتاب فقد تمت ترجمته إلى اللغة العربية ويتم تدريسه في الجامعات العربية لطلبة الإعلام.  عموما، تواصلت معه وتقدمت إليه بالإقتراح والدعوة وقد كان مرحبا بها وتقدم لي بالشكر عليها ولكنه إعتذر على قبولها.

الإعتذار على قبول أية دعوة بشكل عام هو مسألة طبيعية وإعتيادية جدا، فلكل إنسان ظروفه وإرتباطاته وإلتزاماته المختلفة في هذه الحياة، ولكن غير الإعتيادي هو السبب الذي كان وراء إعتذار البروفسور فيليب، وهو إنه قد كان على موعد مع الموت !! نعم.. على موعد مع الموت، فلقد أخبرني البروفسور فيليب بأنه في مرحلة متأخرة من مرض السرطان “عافانا الله وإياكم” وإن الأطباء قد أخبروه بأنه لم يعد لديه إلا فترة بسيطة ليعيشها قبل أن يفارق الحياة وإنه بذلك يريد أن يقضي هذه الفترة في التأمل والتفكير. في حالة من الصدمة قمت بمواساته ببعض الكلمات ووداعه. بعد فترة من الزمن وصلتني رسالة على بريدي الإلكتروني من شخص مجهول ليس من ضمن قائمة أصدقائي، فقمت بفتحها لمعرفة مضمونها والشخص الذي أرسلها ووجدت بأنها قد كانت رسالة من زوجة البروفسور فيليب تنقل لي فيها خبر وفاته.

ما إستحضر هذا الموقف إلى ذاكرتي الآن هو خبر قرأته مؤخرا على إحدى الصحف البريطانية حول شخص مسن أحضرته أسرته إلى إحدى المستشفيات لتوعك حالته الصحية، وبعد أن قام الأطباء بإجراء الكشوفات اللازمة، أخبروه بأنه يعاني من أزمة حادة في الأورطا تتطلب معالجتها في الحالة العادية إجراء عملية جراحية معقدة جدا يجريها فريق متكامل من الجراحين المختصين وهو الأمر الذي لا يمكن ترتيبه بشكل فوري، بالإضافة إلى أنه حتى لو تم إجراء هكذا عملية فإنها لن تكون ناجحة وذلك لوهن جسده وحتمية إحداثها لنزيف داخلي لايمكن السيطرة عليه وسيؤدي به في نهاية المطاف إلى الوفاة، وبعد تقديم هذا الشرح للمريض، أخبره الأطباء بأنه ليس لديه إلا ساعات قبل أن يموت. الملفت للنظر إن هذا الشخص قد تلقى الخبر بكل هدوء وبعد أن غادر الأطباء الغرفة، إستدعى إحدى الممرضات وأخبرها بأن لدية ثلاثة رغبات يريد تنفيذها قبل أن يموت ويريدها أن تساعده على ذلك، فسألته الممرضة عن تلك الرغبات الثلاث، فأخبرها بأنه يريد أن يشرب كأسا من النبيذ الأبيض البارد، أن يشعل سيجارة وأن يشاهد غروب الشمس، هنا كانت الممرضة في معضلة حقيقية حيث إن النبيذ الأبيض ليس بمشكلة فهو من الأشياء المسموح بها في النظم الصحية البريطانية وحتى الثلاجات المتواجدة في أروقة المستشفيات في بريطانيا يتواجد بداخلها النبيذ الأبيض، وأيضا مشاهدة غروب الشمس كان أمرا يسيرا حيث قامت الممرضة بجر سرير المريض إلى إحدى الغرف المحتوية على شرفة تطل على البيئة الخارجية، ولكن المعضلة كانت في السيجارة حيث إن الأنظمة الصحية في بريطانيا تمنع التدخين داخل المستشفيات منعا باتا، وهنا كانت الممرضة تقف بين خيارين، الأول هو إحترام اللوائح والنظم، والثاني إحترام الرغبات الأخيرة لإنسان يستعد للرحيل عن هذه الدنيا، فقررت أن تلجأ إلى الخيار الثاني وأن تكسر القواعد وتخرق القوانين من أجل أن لا تكسر بخاطر هذا الإنسان، فأحضرت له السيجارة وبالتالي قد حظي هذا الشخص بكل ما تمناه. تجمعت أسرة المريض حوله في الغرفة وشاركتهم في التواجد  هذه الممرضة والتي أخبرت الصحيفة فيما بعد بأن أجواء اللحظات الأخيرة بين المريض وأسرته كانت دافئة جدا وقد كانت الأحاديث بينهم يغمرها المزاح والمرح وفي النهاية تمتع بمشاهدة غروب الشمس عبر الشرفة وساعات بعدها وفارق الحياة.

من الأشياء التي تستحق من الإنسان أن يقف متأملا عندها هي هذه المواقف التي يلاقي فيها الإنسان الموت بثبات. فهل هي الشجاعة؟ هل هو الإيمان؟ أو إنه لا وجود لمفر وبالتالي الرضوخ إلى الأمر الواقع؟

شاهد أيضاً

5bdcb8dd95a59740238b457f

طز في محكمة الجنايات الدولية ..دائماً // كمال يحي

كمال يحي منذ أن نشر سيف الإسلام برنامجه السياسي ورؤيته المنهجية للانتخابات الرئاسية المتوقَّعة في …

أضف تعليقاً