الرئيسية / مقالات / لأن الأماكن كلّها مغلقة..// د. المبروك درباش
24993316_1755315031168321_8616132088971307075_n

لأن الأماكن كلّها مغلقة..// د. المبروك درباش

يا صديقتي دعيني أخبرك عن ما حدث وصار، وعن بعض الكتب، والدكاكين، ومرابيع القرى، وردهات المدينة، ولا تسأليني بعدها عن همومك، ودموعك، فقد سمعتها مراراً، وبكيتها قبلك كلها، قبل حتى أن تعزلك أُمكِ، فقد بكيتُ باكراً جداً. افتحي فاهكِ للدهشة، وضعي نعليك جانباً، ولا تهزي شيئاً، فلن تسّاقط الثمرات رطباً جنياً، ودعكِ الليلة من زينتك الخجولة كلما غضضت عنك برهة، حتى شعركِ دعيه عنك قليلاً، فليس هنا الليلة من يكثرت. فأنا الليلة هرم مهزوم. أتعرفين لماذا؟ لأن الأشياء كلها مغلقة، والأماكن جلها موصدة، والتعابير عناوينها حالقة، والعبرات عند رقبتي مارقة.

فهاهي بيوت هذه المذأبة تُلقَّى وجه عيدها بالكوابيس والسيارات المفخخة، ومليشية ‘فلان’ تنفلت على ‘فلان’ وتمسك ابن ‘فلان’، فقط لتغنم سيارته، فهو متهم، ‘زلم’ قالوا عنه، إلى أن يضع مفاتيحها، ناقته تلك، في جيوب جلابيبهم، وليُعطى من بعدها رسالة اللازلمية، فاليوم سيُوقفُ مرتبك، وتمنع عن البوح، حتى تأتي بشيء من محاكم التفتيش، أتسألين لماذا؟ لأن الأماكن كلها مغلقة.هاهو كاهن بلدتنا، يعطي الإذن بقتل عجوز في بيتها متناسياً الآيات القرآنية، بأن لا تدخلوا غير بيوتكم حتى يؤذن لكم، وحتى تستأنسوا، وسلموا علي أنفسكم، وتبينوا، عسى جهالتكم تكون من فاسق، وتكونوا ندامى يوم تسألون، أفتؤمنون ببعض الكتاب؟ لماذا؟ رغم أن الله خزا الكهنة اليوم، وغداً ردهم إلى أشد العذاب. هاهو الكاهن ينكر علاقته بإنغاص الموتى، و’العلماني’ ينكر الانتخابات التي أعطته حقاً ليس لغيره أُعطى، و ينسلخ عن الشعب للكهنة خوفاً. لماذا؟ لأن الأماكن كلها مغلقة. وها هم أعضاء مؤتمرنا الوطني، الذين لا يعرفون أنهم ليسوا نواباً، وأن المؤتمر ليساً مجلساً نيابياً، أم إنهم نحن الذين لا نعرف؟ ها هم يستأذنون بعضهم العَشرة الأخيرة ليصلوا تراويحهم بين ندمائهم. قد تحسبهم شيئاً، ولكن خرسى هم، خرقى هرفاً. أنا لا أرى فيهم ميسن أو جفرسون المسلم، فها هم يعدون السبل ويكيدون لإلغاء مبدأ تحريم الترشح لمرة أخرى، وطفلة تاورغاء في منفى قاريونس تتساءل؛ لماذا نحن كغيرنا اليوم لسنا، لما بستاره يسدل الليل علينا بردا، وإليه يسكن آخرون، ومدينتنا تجوبها الغربان والأفاعي، وننام نحن في العراء بلا وطن أو عيد؟ ألسنا من أهل هذه البلدة؟ فحتى الدجاجات لها الله أعطي سكناً، والطيور منحها ريشاً، لماذا لا تنعس جدتنا جافة العينين؟ أوَ قد ‘مشط’ الصعاليك ابتسامتها الدافئة؟ تأتيها معونات كنائس الدنمارك، ويبعثُ جيرانها بمعوناتهم وزكاتهم لأهل الشام، أوَ ليست أحق بها، أم أنها ليست الأقربون اليوم؟ ألا زلتِ تتساءلين لماذا؟ حسناً، لأن الأماكن كلها مغلقة. هاهم يسألونك من أين أنت، وفي أي التراكين ترعرعت، وفي أي المستشفيات ولدت، هاهم يُخونون ويُوطنون علي المزاج والهوية. هاهم، كما كان يفعل ‘الطمّاع’ آمر الحرس، يتهمون الناس بالتآمر علي الوطن ويعنون أنفسهم، أوَ لم يعوا أن الناس أُحادى يُجمعون في القيامات ومناخات الحرية. ها هم يرثون الرعاع الذين سبقوهم، بلاد يكتنفونها، هاهم ينعقون في الناس بالخطيئة والكبائر، وسوف ترينهم يفرون من المعاقل بغنائمهم، كما فعل نظراؤهم من قبلهم. لماذا دوامة سارتر تسألينني؟ لأن الأماكن كلها مغلقة.

هاهم الكتبة منهم، فبرايريّ النبرة، قَفَّاصَيِّ الثوب، فِرْقُ الوثب، بعد أن تصارعوا علي مجالس أعلى للإعلام في بلد بلا إعلام أو صحف، وأخرى أعلى بقليل، أو أعلى بقليل من القليل منها، للرأي والحرية. هاهم يستعجلون المشانق لفتاة من المزارع، قالوا كانت محظية، قُبض عليها تتسوق، ولم يخبرونا هل حقا ما قالوا، أو أن جارها ‘البصاص’ يريد أن يسلبها شقتها، هيّ الأخرى ستُغنم برسالة من محاكم التفتيش. هاهم يخبروننا أن طويرات وعصافير طرابلس ‘تزقزق’ الآن، والبلد آمن، والبوليس دائب، لا يوجد قتلى، لا يوجد موتى، أفرنقعوا أيها المارة، لا يوجد هنا شيء، وليس هناك سجون مخبأة، ولا اغتصابات لأسيرات التهم العرضية، ليست هناك مدن منتصرة تكتب دستور المدن المهزومة. هاهم إعلاميو الغد يوغلون في الولاء الفبرايري، كما فعلوا لسيفهم. ألم تأتِ هذي الثورة ليحل عدل الدولة والقانون؟ وإلا فانطقوها ايها الجبناء، وقولوا كنا حسادا، واستبدلنا عربيداً بعربيدٍ، ونهم بنهم، ولصوصا بلصوص. والله ما كنت بمعترض، فقد كرهتهم الرعاع أنا الآخر، وأعرف أن الأيام دول، ولكن، مهيرة هذي الليلة كبيرة وعصية، وأنت لازلت تسألينني لماذا؟ مرة أخرى، لأن الأماكن كلها مغلقة.هاهم الليبيون يصفون أنفسهم بأسماء حيوانات المواسير، والكائنات البحرية، فاليوم خُلعت عنهم الآدمية. فاستبدلوا محكمة الشعب، بمحاكم عشوائية، وبوابات عبثية، واستبدلوا الثلاثمائة معارض للنظام الفائت، بمن كان منهم علي وصال بالنجل أو من كان من رجالات جهاز الأمن الخارجي، استبدلوا بمليون، مطارد ومشرد، فلمَ هم اليوم عن آلاء هذا الوطن ممنوعون؟ لماذا؟ لأن الأماكن كلها هكذا، كالعقول التي بيننا، كلها مغلقة.

(*) جزء من “مقامات الشوق”.

– المذأبة: المكان المليء بالذئاب.

– هرفاً: المادح للشيء عن جهالة.

– فِرْقُ: القطيع.

– قَفَّاصَيّ الثوب: من يخطط ثوبه.

– المزارع: ورشفانة.

شاهد أيضاً

13076645_1198023200222411_1547546633205876397_n

سياسة فرنسا في ليبيا وعطورها..// عزالدين عبد الكريم

عندما تأخذني الظروف في سفر عبر المطارات، يتكرر معي مشهد أتعامل معه وفق حالتي النفسية …

أضف تعليقاً