الرئيسية / مقالات / ليس إنحيازا لسيف ..بل لليبيا الضائعة // جمال الزائدي
32105626_2066305876953296_1876242856801206272_n-509x330-1-1-1-1

ليس إنحيازا لسيف ..بل لليبيا الضائعة // جمال الزائدي

 

يقع كتاب “حفرة الدم – حقيقة سقوط طرابلس” الصادر عن دارنيولينك العام 2014 م ، في مايربو عن الثلاثمائة صفحة من الحجم الكبير، مهداة سطورها : – “إلى من لم يسيروا في ركاب الأعداء ولم يبدلوا عندما بدل الأصدقاء ……… إليكم ولوطني وأهلي أهدي هذه الخواطر وهذه النجوى عسى التاريخ أن يشفع لكم ولي، ويغفر لنا أن شهدنا عهد الانكسار ..”

وإذن باعتراف المؤلف في الإهداء، كان الكتاب عبارة عن خواطر وتداعيات إنطباعية تشكلت أثناء وبعد إكتمال فصول الحدث الكارثي الذي غير إتجاه وعنوان مسيرة التاريخ في ليبيا، وأعاد ترتيب المفاهيم والقيم والأولويات على كل الصعد السياسية والاجتماعية والثقافية وحتى الأخلاقية ..ما برر للشحنة العاطفية العالية والخطابية المفرطة التي حفلت بها سطور الكتاب، في سياق محاولة جراح التجميل الماهر والكاتب المثقف والمسؤول السابق دكتور مصطفى الزايدي، تقديم إطلالة بانورامية على المشهد الليبي من زاوية الإجتهاد في التماهي مع المشروع السياسي والأيديولوجي الذي تبنته ثورة الفاتح وزعيمها الراحل العقيد معمر القذافي..

قد تعطي القراءة غير المتمهلة لصفحات كتاب “حفرة الدم ” إنطباعا غير دقيق “لكنه ليس خاطئا تماما ” عن محاولة الزائدي الدفاع عن مشروع ثورة الفاتح على مستوى التنظير والممارسة العملية التي إشتبكت الثورة خلالها مع واقع إجتماعي وثقافي تاريخي، معادي أو غير إيجابي في أفضل تقدير، وسم العقود الأربعة من عمر المشروع بتواريخ مواجهات داخلية وخارجية صاخبة حينا وصامتة حينا، مع القوى والهياكل المجتمعية ومنظومة القيم التقليدية التي تعاملت مع الخطاب الثوري من موقع المستريب..

ولكن الحقيقة أن العناوين الفرعية في الجزء التمهيدي من الكتاب على تمسكها بقميص الثورة – ثورة الفاتح – لم يكن همها في الواقع – أومن وجهة نظري على الأقل – سوى الدفاع ، بدون منهجية تذكر، عن دور حركة اللجان الثورية، ومنحها صك غفران غير مشروط عن كل الاخفاقات والانحرافات التي توالت عبر السنين لتصنع مجرى جارفا أخذ مسار التجربة السياسية الوطنية ممثلة في النظام الجماهيري والإدارة الشعبية إلى إتجاهات أبعدتها عن طبيعتها وأهدافها وجعلت منها مجرد صورة مشوهة عن الفكرة الجريئة ” البيوريتانية “كما صاغها صاحبها في الكتاب الأخضر ..

وإذا كان الكاتب قد إعترف على إستحياء ببعض أخطاء الحركة وتجاوزها للدور التعبوي التحريضي باعتبارها تنظيم قاعدي مفتوح لا يسعى للوصول للسلطة، من خلال تورطها في ممارسة التدخل والوصاية المباشرة على المؤتمرات الشعبية صاحبة السلطة نظريا، مستخدمة ذريعة الترشيد والتوجيه الفوقي.. فإنه لأسباب غير مبررة ولا مفسرة بالنسبة للقاريء الموضوعي، لم يمتلك الحيادية والروح النقدية اللازمة للاعتراف بمسؤولية اللجان الثورية- وتحديدا كبار قادتها الذين احتلوا مراكز الإدارة التنفيذية العليا والوسطى -عن تلك الاخفاقات خصوصا في مجال إستكمال مشاريع البنية التحتية والتحول للانتاج والوصول إلى مجتمع الرفاهية والمساواة ونشر الوعي الجماهيري بأهمية ممارسة السلطة كجزء من مسؤولية المواطنة، والتي أفضت بدورها إلى صناعة الخيبات ومراكمتها في نفوس الليبيين، أعضاء المؤتمرات الشعبية الأساسية، وبررت في النهاية تعاطف نسبة ملحوظة منهم مع ما عرف بحراك فبراير، على الأقل قبل تدخل حلف شمال الأطلسي في المواجهة وحسمها لصالح المتمردين ..

سيلاحظ القاريء أن المؤلف عبر سطور الكتاب و في طريقه لتناول الحدث الأساسي “سقوط طرابلس”، لم يستنكف عن إعلان نيته بالتلميح والتصريح في توجيه الاتهام المباشر عن المسؤولية فيما حدث إلى مشروع الدكتور سيف الإسلام الإصلاحي مستدلا على ذلك بوجود بعض الرموز والشخصيات الإسلامية التي أطلق سراحها من سجون النظام في إطار المراجعات والمصالحات على رأس التمرد المسلح المدعوم خارجيا قي عام 2011م، وكأن تلك المصالحات والمراجعات لم تتم تحت إشراف مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية ولم تكن تنفيذا  لقرار سياسي من القيادة نفسها.. ضاربا صفحا عن حقيقة أن أخطر وأشد الضربات القاتلة التي تلقتها ثورة الفاتح في مواجهتها التاريخية الأخيرة

سددتها إليها شخصيات معروفة بانتماءها الأيديولوجي بداية من عبد الرحمن شلقم عضو أول لجنة ثورية تشكلت في سبعينيات القرن الماضي كما جاء في الكتاب، وليس نهاية بموسى كوسا مسؤول المثابة العالمية على مدى عقود..

شخصيا كنت انتظر ككثيرين غيري ربما، أن نقرأ في هذا الكتاب نقدا ذاتيا لحركة اللجان الثورية يقدمه واحد من أهم رموزها أو تحليلا موضوعيا لتاريخ ثورة الفاتح على الصعيد المحلي والقومي والعالمي يقدم للأجيال القادمة كشف حساب منصف لما نجحت فيه وما أخفقت في إنجازه..ويزيل الكثير من الغموض عن ملابسات تلك اللحظة الرهيبة التي برهنت عن مدى الضعف والهشاشة في البنية المؤسساتية “سياسية واجتماعية” وسوغت  انهيار رهانات وممكنات المستقبل في بناء وطن ودولة حديثة مهابة بعد فبراير 2011م .. لكن يبقى أن الظرف الزمني الملتهب الذي ظهر فيه الكتاب والحملة الشرسة التي يشنها الحاقدون والأعداء في الداخل والخارج ضد ثورة الفاتح وحركة اللجان الثورية على وجه الخصوص كان لهما الكلمة الفصل على ما يبدو في توجيه لغة الكتاب وصياغة خطابه الذي إفتقر للموضوعية وآليات القراءة النقدية العلمية لمرحلة تاريخية هي الأهم في تاريخ بلادنا المعاصر، مركزا جهوده في الدفاع عن الذات والبحث عن الخلاص الشخصي..

وإذا كان لا عاقل يقول أن القراءة النقدية لزمن ثورة الفاتح سيحل مشاكل اللعنة التي حلت علينا بعد فبراير 2011..فإننا لن نختلف حول أن قراءة كهذه كان يمكنها أن تشكل رصيدا معرفيا لأجيال قادمة تستفيد من النجاحات والاخفاقات في مشروع مستقبلي لا بد أن يبدأ عليه العمل منذ الآن ..

لكن للأسف الذين اجتهدوا وكتبوا ونشروا – ومنهم صاحب كتاب حفرة الدم – تشبثوا بنظرية المؤامرة منهجا يتيما لتفسير وفهم ما جرى ..و.المؤامرة حقيقة مادية لا أحد يعتمد الموضوعية يستطيع إنكارها، لكنها في مستوى التحليل لا تجيب على الأسئلة المفصلية لتفكيك بنية الحدث ومقدماته ونتائجه..والحال أنها تبرر فقط وتحدد قائمة افتراضية بالمتهمين  داخليا وخارجيا دون أن تضيف لخبرتنا السياسية والتاريخية أي جديد مفيد ..

الانكأ من ذلك أن غالبية من كتبوا وتحدثوا عن أحداث فبراير ومقدماتها عبر مدخل المؤامرة..تجاهلوا حقيقة أن المؤامرة عمل يحتاج إلى أكثر من طرف واحد لتحقق غاياتها..صاحب المؤامرة وضحية المؤامرة أركان رئيسية لوجودها ونجاحها.. تماما كما تحتاج جريمة الاغتصاب الناجز إلى إرادة إجرامية متجذرة وإلى تواطؤ خفي من قبل الضحية بما يكمن فيها من عوامل الضعف..ولأن الضحية هي من تعنينا فإن الجهد النقدي التأريخي يجب أن ينطلق منها ويركز عليها..

البحث عن تبرئة الذات أو الصف السياسي والأيديولوجي عبر إلقاء التهم الجزافية على الآخرين شركاء الوطن وشركاء الدم أيضا – مشروع ليبيا الغد والقوى الإصلاحية الملتفة حول سيف الإسلام – ليس من العقلانية السياسية في شيء بل على العكس فهو يعزز واقع التشرذم والتشظي والانقسام الذي يسعى العدو إلى تأبيد لحظته..فأن تكون مثقفا ورائدا ومناضلا حقيقيا، ذلك يعني قدرتك على الاعتراف بالأخطاء وتحمل قسطك من المسؤولية عنها وأكثر من ذلك أن تكون مستعدا لتصحيحها وبذل كل ما تستطيع في سبيل ذلك ..

أول خطوة في طريق إستعادة ليبيا الضائعة أن نعترف جميعا بأننا خذلناها وأننا جميعا مذنبون وعلينا ألا نخجل من إعلان التوبة في محرابها..

شاهد أيضاً

لبيب-11-1

خـيــانــة وطــن // هيفاء نصرالدين

جرحنا أنفسنا و بدأت أجسادنا بالنزف حتى الاحتضار قد فات القطار و أعلنت صفارتهُ رحيله …

أضف تعليقاً