الرئيسية / مقالات / ما بعد الشعبوية // سالم القطعاني
27332139_1800507046649119_6549575261868809906_n-277x330-1

ما بعد الشعبوية // سالم القطعاني

 

 

سياسة الرئيس الأمريكي “ترمب” تبدو ظاهرة متطرفة وفريدة من نوعها ، تستعصي حتى على التفسير في بلاد عرفت الليبرالية والإنفتاح، “ترمب” ليس إلا ابن لعالم متحول لا ثابت كما يصف نفسه، وكما يحدثنا الخبر التاريخي، ففي فترة ساد فيها العقل والاستنارة في الغرب كان ثمة عصر يتبعه على الفور وينقد مطلق سيادة العقل، فكانت “المثالية” في الفلسفة، و”الرومانسية” في الأدب، وكما كان للحداثة تاريخها،

كان عصر ما بعد الحداثة يثير الجدل والشك في جدواها، حين ضاقت رحابة الصدر وساد منطق تفوق الجنس الآري، وتولدت نزعة قومية متطرفة”فاشية” في إيطاليا، و”نازية”في ألمانيا، وبين هذين كانت الحرب العالمية، وكان لزاما أن يتحول العالم المتحول ليصبح أكثر كونية

ويفتح عصر “العولمة” ويفتح معه جيبه بسخاء، إذ يصل حجم مساهمات أمريكا العالمية في المنظمات الدولية إلى 1.446 ﻣﻠﻴﺎﺭ ﺩﻭﻻﺭ أمريكي ، ناهيك عن ما تساهم به مع دول الحلفاء في الحلف الأطلسي، ثم ينشأ بعد ذلك ألف إتحاد وألف اتفاق حول مختلف القضايا الكونية،

مثل اتفاقية باريس للمناخ التي انسحبت منها أمريكا مؤخرا، كما انسحبت من مجلس حقوق الإنسان الدولي، وأيضا من منظمة التربية والعلوم والثقافة “اليونسكو”

وفي متوالية الانسحاب هذه التي ما كانت إلا سخطا من نتائج العولمة والانفتاح وشكا في نتائجها في غالب الأحيان ، إلى الحد الذي جعل من الغرب محط الهجرة الدولية الأولى، التي جلبت معها الإرهاب إلى قلب عواصم أوروبا ،  حيث يعيش الحوالي11 مليون مهاجر غير شرعي في أمريكا لوحدها ، ناهيك عن ما استقبلته ألمانيا من اللاجئين وطالبي اللجوء الذين تقدر أعدادهم بمليون على الأقل ، والذين غرقوا في البحر قبل أن يصلوا شواطئ “لامبيدوزا” ،

من بين كل هذه الأجواء الطارئة ، كان السيد “ترمب” هو ظاهرة الغرب السياسية الجديدة المسماة (بالشعبوية poplism) يحيي من خلالها أمجاد شعبوية “ليوليوس قيصر” جديد ، شعبوية ترمب ، ليست شعبوية جديدة ، مادامت الشعبوية صرخة عاطفية في آذان القوم ، تلهب المشاعر وتخلب الأنظار ، كثير من الساسة والزعماء تبنوا الخطاب الشعبوي ، لكن شعبوية ترمب تختلف كل الاختلاف ، إذ جاءت كتبعات للعولمة وسياسات الهجرة والإنفاق الخارجي ، لقد سارعت “الشعبوية” كأيديولوجيا إلى نقد العولمة والإنفتاح والكوننة، وتقديم مصلحة البلدان، ونزعت في مضمونها نحو الإنكفاء الذاتي القومي وصبغت على نفسها شكل محافظ جدا، مؤثرة في خطاب جماهيري على مشاعر الشعب ، أن الشعبوية فيضان الغرب المتحول بإستمرار، ولكنها نتوء في غرب الليبيرالية ،

وهي وان ارتدت ثوب غير طبيعي تظل بالنسبة لسلسلة التاريخ المعاصر، ظاهرة طبيعية جدا وردة فعل لا فعل في حد ذاته،

وهي ظاهرة وليست حالة فردية، إذ لا يقتصر مداها على أمريكا، بل تمتد إلى عودة قوية للأحزاب اليمينية ، ففي أيطاليا تمكن “حزب النجوم الخمسة” ذو المنزع الشعبوي من تسيد الساحة السياسية، الذي يتقارب في وجهات النظر مع حزب برلسكوني اليميني “فورزا إيطاليا” ، أيضا ودائما كان النظر على الهجرة والإنكفاء القومي والسياسات مع الإتحاد الأوروبي ، ولدى هولندا وبولندا نصيب من أحزاب مشابها، وكان”حزب اليمين المتطرف” في فرنسا بزعامة السياسية “ماريان لوبان” قد حصد لنفسه أكبر مكسب لأول مرة منذ سنوات،

في دلالة واضحة على مدى غزو “الشعبوية” وذيوعها، ويبقى أن الغرب لا يستقر على حال حتى يثير فيه الجدل، وفي نهاية المطاف ومن وجهة نظرنا أنها لن تكون ظاهرة مستقرة ودائمة ولن يكون الغرب إلا كما كان دائما عالما جدليا وتجديديا ، ولن تعيش الشعبوية فيه أطول مما يعيش ما بعدها .

شاهد أيضاً

32105626_2066305876953296_1876242856801206272_n-509x330-1-1-1

شعوب مكتئبة // جمال الزائدي

  تصاب الشعوب بالغباء كما يصاب الأفراد .. وتستحوذ عليها الميول الانتحارية شأنها شأن المريض …

أضف تعليقاً