الرئيسية / مقالات / محاكمة النيهوم // سالم القطعاني
27332139_1800507046649119_6549575261868809906_n-277x330-1

محاكمة النيهوم // سالم القطعاني

في مقالته ( باليسرى ) سرد الكاتب “منصور بوشناف” تجربة النيهوم الفكرية ، انتهى بها إلى محاكمة ظالمة ، كان أكبر من أن يحتملها نتاج النيهوم ، فكيف وصف بوشناف النيهوم ؟ هذه الأسطر باختصار تنتهي إلى أن تقول “سلفي يرتدي “الجينز”، بالضبط كما يبدو ابن تيمية على قنوات الخليج “نيهومًا” حليق الشعر ويرتدي الجلباب الأبيض! ” والحقيقة لكي نفهم النيهوم أكثر ، فيما يبدو لي ، أننا لم نفهمه بعد ، وفي أحيان أخرى لم نقرأه ! ، تنطلق من وعينا بدور المثقف في كل الأزمنة ، أعني دوره وواجبه ، ومحاولاته المتكررة في صناعة الرؤى واستلهام المستقبل ، وإنتاج “اليوطيوبا” كان ولا يزال أحدى تلك المهام ، بل وربما كلها ، فمثلما كان لـ”أفلاطون” كتابه “الجمهورية” كانت “المدينة الفاضلة” لابن الفارابي ، وكان الجامع هو يوطيوبا النيهوم ، وإن كان يرى البعض في نهايته التقليدية الدينية منعطفا، فأقول بلا ، طالما كان الرجل مجتهدا ، ومثقفا عضويا حاول أن يوظف أفكاره داخل المجتمع ، ولكن ليس من دون نقديات ، يعبد بها طريق أفكاره الجديدة ، إذن كانت الخطوة الأولى، نقدية ، يتم فيها تصفية الإسلام من إضافات العصور ، التي كانت إحداها ، اختلاطه بعادات وأعراف الناس المجتمعية ، وربما حتى الإسرائيليات منها بالإسلام ، كل هذا كان لقول بأن ما بدأ به الإسلام ، ليس هو ما انتهى إليه ،ولعل هذا ما جسده عمله الروائي ” من مكة إلى هنا ” ، فقد علق فيه على أقوال الفقهاء التي سحرت الناس وحتى الحيوان ، وجعلت من برمائي “سلحفاة ”  كائنا مسحورا ، الخطوة الثانية ، سياسية ، ركزت على نقد التحالف الأزلي بين الإقطاع والأصولية ، التي سلبت الشورى من بساط الناس ، في حين أن الإسلام حملهم مسؤولية ما يحدث لهم ، وما يحدث حولهم ، وما ابتعادهم هذا ، وإضافتهم تلك ، إلا سببه إسلام آخر صنعه الإقطاع على مقاسه  ، لذا كان يجب إزالة هذا الإسلام الذي يضاد الإسلام مادام” الإسلام الذي ورثناه عن إسلافنا ، ليس هو الإسلام الذي بشر به القرآن، بل نسخة ناقصة عنه ومشوهة صنعها الإقطاع على مقاسه ، وقد لا يستقيم لنا سبيل الخروج منه إلا بجهد جماعي طويل النفس يتمثل بتأسيس حزب الجامع ، الذي يتوجه لتطوير لقاء يوم الجمعة من مناسبة للصلاة والوعظ ، إلى مؤتمر للديمقراطية المباشرة على مستوى القاعدة”

كانت الخطوة الثالثة ، تنظيرية ، أقرب إلى الالتزام بإفراز الروح الاشتراكية  ، وهنا أهم المنافذ إلى قلب فكره ، إذ يتخذ من ما ورثه من الفكر الماركسي تكئة ، لكي ينقد أولا بروح ماركسي ثوري ، ما عنون به أحد مقالاته ” مات لينين للمرة الثانية ” ما انتهت إليه الماركسية من جهة ، ولكي يتجه من جهة أخرى نحو تطوير فكرة تأخذ من الماركسية الروح ومن الإسلام الشكل ، فكان أن جمعها في “يوطيوبا الجامع ” ولكن ليس  من دون أن يحقق ثورة يسارية ، هكذا يقضى على الإسلام بالإسلام ، مادام هذا دين ضد دين كما عنون “على شريعتي” أحد كتبه أيضا ، والمحسوب على اليسار الإسلامي ، والذي سبق النيهوم في أطروحة الدين المضاد ، في رؤية تنطلق من “ماركس”  لترى العالم ، الذي انتشرت فيه أفكاره كالنار في الهشيم ، كان زمن الثورة في السياسة ، وكان زمن الثورة الثقافية والاجتماعية والسياسية عند النيهوم ، الذي كان يعكس منهج ماركس بإخلاص ، نقف هنا  لنرى بأن النيهوم لا يرى الزلزال الذي حدث في أوروبا ، والذي تمثل في ظهور  الحداثة ، إلا كما يقول ماركس “أن الاقتصاد محرك التاريخ” ، فردا على مريدي فكرة أن تغير عالمنا يبدأ بأفكاره ، كان يدعي بأن “الدعوة إلى تغير أفكار المجتمع المصري ، بسلاح الخطب والمواعظ ،  جهل فاضح — يقصد هنا سيد قطب — بارتباط التغير  ، بظهور أنماط اقتصادية لا تتوفر في مجتمعه الزراعي ” بصورة أو بأخرى يكون فيما سبق

قد توافق مع ما يقوله صاحب فكرة أن تغير المجتمع يبدأ بتغير اقتصاده ، وأن من ينسى هذه الفكرة يكون قد ” نسى أن تغير المجتمعات ، لا يقوم على تغير أفكارها ، بل على تغير اقتصادها أولا وأخيرا ” هكذا إذن ينتهي القول ، والخطوة التي تلي الخطوة ، ممهدة لسياسة جديدة ، في مجتمع لا يمكن أن يتعامل بغيرها ، فهو لا يملك رأس مال  أو عمال ، يمكن أن يشكلا بديلا رادعا عن سلطة الإقطاع والكنيسة ، من وراء هذا ، كانت فكرة وحيدة قد ولدت ، الخطوة الخاتمة التي ستجمع مختلف الأحزاب التي لا تجد ما يدعوها إلى التحزب عمليا ،  تحت سقف الجامع ، لنقاش سياسي يهدف لإقرار التشريعات ورسم سياسات ، لا تخص مصالح أحد بل المجتمع كله ، من الطفل والعجوز والمرأة والمراهق إلى الذي حتى لم يولد بعد ، وهي صيغة تهدف إلى الوصول لنموذج أكثر ديمقراطية تسلم الدين لله والإدارة للناس ، والديمقراطية الوحيدة والممكنة والفعالة هي الديمقراطية المباشرة التي قد يكتب لها النجاح في بلد غير رأسمالي كما يرى النيهوم ، وهو نموذج كان يصكه بعد تجربة وبعد نقد لترجمة ما يقوله الغرب في بيئة لا تعيش ظروف ما تترجمه ، لأنها بيئة تعيش ظروف محنة ثقافة مزورة .

شاهد أيضاً

1

الإسلام الوطني، في مواجهة الأسلمة الوافدة (أيادي اللعبة الدولية) // بقلم: محمد عمر غرس الله

يلاحظ المتابع للأحداث التي تمر بها المنطقة العربية إستخدام (الإسلام) كمبرر وسلاح، وكأننا لم نعرفه …

أضف تعليقاً