الرئيسية / مقالات / نساء ساذجات (1)// أنس الفقي
33-1

نساء ساذجات (1)// أنس الفقي

” السذاجة تعني الطيبة في لغة أهل الأندلس ” سنة 2049م القادمة ستمر الذكرى الألفية لعبور قبائل بني سليم و بني هلال نحو ليبيا و بقية الشمال الأفريقي؛ في مسيرة رافقتها حالة من فوضى و نهب و التخريب بالمنطقة استمرت لأكثر من ثلاثمائة عام .

بعد مائتي عام تقريبا من هذا العبور؛ أفتى الشيخ ابن تيميه بجواز قتال هذه القبائل بسبب ما ارتكبوه من سفك للدماء و فساد في ارض؛ لحسن حظ الشيخ ابن تيميه ؛ أن علم التربية و علم النفس لم يؤسس لهما بعد، كما أن القاعدة الفقهية تمنح ابن تيميه أجرا واحدا في حالة الخطأ.

بعد ذلك بثلاثمائة عام تقريبا؛ العم ابن خلدون في تاريخه؛ يذكر حالات النهب و التخريب التي ارتكبتها تلك القبائل خلال مرورها بمدن الساحلية بشمال إفريقيا؛ وصولا إلى نهب القيروان عاصمة بني زيري سنة 443 هـ ، محدثة حالة من الفوضى استمرت لفترة طويلة في شمال أفريقيا حسب ما يذكر ابن خلدون.

المؤرخ خليفة التليسي في مقدمة كتابه ” سكان ليبيا ” ينكر حدوث الفوضى خلال عبور قبائل بني سليم و هلال؛ بينما يقدم العبقري الصادق النيهوم دلائل دامغة عن مدى التخريب الذي لحق بليبيا خلال تلك المسيرة.

تحت تأثير هذه الفوضى؛ ربط العم ابن خلدون في مقدمته المعروفة؛ قبائل بني سليم و بني هلال كمقياس تابت مع اغلب فرضياته عن سلوك الأمم المتوحشة البدائي؛ و مصطلح الأمم المتوحشة الذي يتكرر عدة مرات في مقدمة ابن خلدون؛ يبدو ترجمة حرفية و منقولة عن المصادر اليونانية لكلمة البرابرة ” “Barbarian ، ما يذكره ابن خلدون عن الفوضى التي رافقت هجرة بني سليم و هلال حدث تاريخي مسلم به، مع ذلك فالهجرة الهلالية ليست المثال التاريخي الوحيد في هذا المجال؛ حيث تذكر المصادر التاريخية عبورا مشابها؛ سرت فيه القبائل الجرمانية نحو أوروبا في مسيرة سادها النهب والتخريب والفوضى في جميع أنحاء القارة العجوز، و لم تنته عند أبواب روما سنة 410م، التي انتهكتها القبائل الجرمانية لمدة ثلاثة أيام؛ في إشارة لبداية العد التنازلي لنهاية الحضارة الرومانية، وبالرغم كل هذا النهب و التخريب و الهمجية فإن ” أدولف هتلر ” القائد الألماني المتطرف يؤكد في خطاباته على فخره بانتمائه إلى القبائل الجرمانية الهمجية و المتوحشة.

الزمن لم يقف عند سقوط إمبراطورية روما، وهجرة القبائل الجرمانية ساهمت في تشكل أوروبا الحديثة بدولها و بحدودها حضاريا من جديد ؛ ولم تتوقف عن التطور تاريخيا بعد ذلك، ولازالت تتشكل حتى الوصول إلى طور ما بعد الثورة الصناعية.

في نفس ظروف فوضى أوروبا بالقرن الخامس الميلادي؛ تشكلت ليبيا و شمال إفريقيا من جديد في القرن الخامس الهجري؛ مع وصول قبائل بني سليم و هلال؛ وامتزج الليبيون الوافدون مع الليبيين المقيمين مثلما امتزجت القبائل الجرمانية الإنكليز وسكسون مع البريطانيين في الجزر البريطانية، ولقت لهجة بني سليم انتشارا واسعا في ليبيا؛ و هي اللهجة القريبة من لغة القران الكريم، ويرجع سبب الانتشار لنفس الأسباب الدينية التي انتشرت معها اللغة اللاتينية لغة الكنسية في اسبانيا القوطية – القوط إحدى القبائل الجرمانية التي سكنت اسبانيا خلال زحف القبائل الجرمانية على أوروبا- كما تكيف الوافدون مع انخفاض درجة الحرارة شتاء لمستويات غير معروفة لديهم من قبل؛ فارتدوا ” الجرد “، و اقتاتوا من نفس الوجبات المحلية لنفس الأسباب المتعلقة بالبيئة الجديدة، وامتزجت العادات و التقاليد والملابس حتى صار ملاحظة التباين بين الليبيين مهمة صعبة كما يذكر المؤرخ الليبي محمد بازاما.

من المفارقات، أن تخريب و نهب روما علي يد القبائل الجرمانية تم في القرن الخامس الميلادي؛ وأن تخريب ونهب القيروان تم يد بني هلال في القرن الخامس الهجري؛ أيضا من المفارقات، أن كلمة ” التخريب ” في اللغة الإنجليزية هي vandalism”” ، مستمدة من كلمة الوندال” vandals” إحدى القبائل الجرمانية التي أحدث الفوضى و التخريب في أوروبا ؛ و التي استوطنت جنوب اسبانيا فيما عرف بعد ذلك بالأندلس نسبة لقبائل الوندال؛ والمفارقة أن الأندلس تحولت فيما بعد إلى واحدة من الروافد الرئيسية للحضارة الأوروبية.

لكن بعيدا عن المفارقات و الصدف، فهذه ليس مجرد قراءة لعقد المقارنات أو لإبراز المفارقات، بل هي قراءة لكتابة جديدة لتاريخنا تبدأ بالكشف عن الطور التاريخي الأول لتاريخ ليبيا الحديثة؛ تختلف بشكل كبير عن قراءة التيارات الأيدلوجيا المستوردة التي تعطينا قراءات تاريخية خاطئة عن حركة التاريخ في ليبيا خدمة للايدلوجيا المستوردة؛ بالإضافة لذلك، فكما أن مشروع فك الشفرة الوراثية يساهم في علاج الأمراض الخطيرة، فإن القراءة التاريخية الدقيقة تمكننا من تشخيص و علاج أزمتنا الليبية المزمنة، فإذا كنا قادرين على تحديد الطور التاريخي الأول لليبيا الحديثة فإنه من خلال قراءة حركة التاريخ في ليبيا؛ و مقارنته بالأطوار التاريخية في الجهة المقابلة من البحر الأبيض المتوسط بالقارة العجوزة؛ سنتعرف إلى الطور التاريخي الذي تنتمي له ليبيا في الوقت الحاضر ،وهذا ما ستكشف عنه سلسلة مقالات ” نساء ساذجات”.

الحقائق التاريخية تذكر أن الحضارة تبدأ بفوضى و تنتهي بفوضى، و فوضى كالتي رافقت سقوط حضارة روما؛ لطالما شغلت بال مفكري و مؤرخي و قادة ومحللي السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية الدولة العظمى في العالم، و بالرغم من تطمينات ” فوكوياما ” المفكر الأمريكي في بدايات تسعينات القرن الماضي للأمريكان؛ بأنه ليس هناك من برابرة جدد في أفق؛ مع ذلك فبعد ربع قرن من تلك الفرضية؛ فقد قدم ” جوزيف ناي ” أدلة منطقية عن تشكل خلايا نائمة للبرابرة؛ تخطط لتخريب و نهب الولايات المتحدة الأمريكية، و يرى ” جوزيف ناي ” أن القوة العسكرية وحدها ليست الحل لمواجهة البرابرة و الفوضى ، و أن اللجوء إلى القوة الناعمة قد يساعد في تطويع البرابرة لخدمة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية.

نقاش النخبة الأمريكية في سبيل وقف الفوضى ، و تأجيل غزو البرابرة يقابله لامبالاة ، و تأقلم الليبيون مع واقع الفوضى و التخريب و النهب للدولة الليبية ، وإذا استمر هذا الواقع دون حراك سيصبح هذا النمط عادة ؛و عندها ستصدق تنبؤات النيهوم في ختام كتابه ” النقاش ” عن هجرة كبيرة من ليبيا عند نهاية عملية النهب و تتحول ليبيا إلى صومال البحر الأبيض المتوسط.

النساء،، المحور الرئيسي لهذا السلسلة لم يكن لهن، لا في العير، و لا في النفير فيما يخص حالة الفوضى؛ حدود مسؤوليتهن لا تتخط الحلب و الصر، وإذا لم يقابلهن حسن الطالع؛ يقفن في طابور طويل من السبايا و الجواري؛ في انتظار أفضل ما تقدمه الأقدار من أيام بؤس و كدر، مع ذلك لم تخل حقبة الفوضى و الاضطراب؛ سواء في أوروبا أو في شمال إفريقيا من ظهور نساء قويات مثل الإمبراطورة بيلاسيديا خلال هجرة القبائل الجرمانية إلى أوروبا، و سعدى الزناتي في التغريبة الهلالية، و لم تمنع حالة البؤس و الشقاء من ظهور ملاحم رومانسية؛ كــبيلا سيديا نفسها التي قبلت بالزواج من ” اتلف ” زعيم قبائل القوط الغربيين، وأصرت بيلاسيديا أن تبقى أرملة بعد وفاته؛ بينما قصة يونس الهلالي و السفيرة عزيزة بنت الزناتي خليفة تؤكد من جديد التشابه الكبير بين المسيرة الهائلة للقبائل الجرمانية تجاه أوروبا؛ ومسيرة قبائل بني سليم و هلال تجاه شمال أفريقيا، وهذا التشابه الكبير بين المسيرتين من ناحية تشابه الطور التاريخي هو المدخل للتعريف بدور امرأة ليبية ساذجة ساهمت – دون قصد – في التأسيس الدولة الليبية الحديثة في مرحلة أخرى من مراحل التطور الأولى في تاريخ ليبيا الحديث.

( لو كان بوزيد عمار عمر سواني بلاده بس لما كان بوزيد دمار خلى السواني حماده )

( يتبع )

شاهد أيضاً

27332139_1800507046649119_6549575261868809906_n-277x330-1

ما بعد الشعبوية // سالم القطعاني

    سياسة الرئيس الأمريكي “ترمب” تبدو ظاهرة متطرفة وفريدة من نوعها ، تستعصي حتى …

أضف تعليقاً