الرئيسية / سلايدر / هل يعود سيف الإسلام؟ // كمال يحيى
n00042652-b

هل يعود سيف الإسلام؟ // كمال يحيى

تعتبر الشرعيّة هي المعركة الوحيدة التي لم يَخُض الليبيون غمارَها بعد، فقد كانوا حتى هذا الوقت أشبه بالمتفرّجين الذين يتابعون مسرح الدُّمى دون أن يعرفوا من يحرّك هذه الدُّمى من خلف الكواليس؛ أما ادّعاءات الشرعيّة التي تتشدّق بها تلك الدُّمى فهي ليست سوى جزء من أدوارها المسرحية البائسة.

لقد أُهمل سؤال الشرعيّة بسبب عدة عوامل داخلية وإقليمية ودولية اشتركت جميعها في تحويل الأنظار إلى متابعة تفاصيل مسرحيّة تتابعت دون انقطاع حتى تمّ إيهام العالم بأن الأزمات المتواصلة التي تحدث في ليبيا لا يمكن الوصول بها إلى نهاية مرضية إلا إذا تم اتخاذ القرار من خارج ليبيا نفسها. وفي أثناء ذلك أقصت الأطراف المتصارعة صوتًا مغيّبًا من المشهد السياسي، صوتًا تم تناسيه عن عمد منذ أحداث 2011 الكارثيّة، ألا وهو صوتُ الليبيين أنفسهم؛ صوتُ الليبيين الذين لم يتبق أمامهم إلا أن يبادروا بأنفسهم باجتراح المستحيل للخروج من النفق المظلم الذي وجدوا أنفسهم فيه.

ما يحدث في ليبيا الآن سياقٌ متداخل يختلط فيه المحلي بالإقليمي والدولي، وتتصارع فيه نوازع التشظّي والاختلاف، كما تنعدم منه مظاهر الائتلاف مهما كانت ضروراتها ملحةً وقويّةً، وما كان الليبيون ليصلوا إلى هذا المأزق لولا وجود أدوات الارتزاق السياسي التي ظهرت فجأة بين ظهراني الليبيين منذ ذلك العام المشؤوم، ووجدت فيها الأطراف الإقليمية والدولية وفرةً من العملاء لم تكن لتحلم بها في ما مضى، على الإطلاق.

في ظلّ هذا المشهد المعتم الكئيب تتطلّع أنظار الليبيين الشرفاء إلى بارقة أمل يرون فيها مخرجًا وحيدًا لهم من الفوضى المطلقة التي يعيشون فيها، وتتعلّق قلوبهم بالرمز السياسي الوحيد الذي تحاول أدوات الارتزاق السياسي أن تقصيه بأي ثمن من المشهد، ألا وهو الدكتور سيف الإسلام معمر القذافي.

إن الليبيين إذ ينتظرون اليوم الذي يُعلن فيه سيف الإسلام تحمّله أعباء القيادة السياسية لهذه الدولة المنهكة إنما يدركون جيّدًا أنه قادرٌ على العودة بها إلى مصاف الدول المستقرّة التي تسعى إلى التقدّم واحتلال مكانة تليق بشعبها بين دول العالم وأممه. وهم بذلك إنما يستنجدون بالشرعية والمقدرة الطبيعية على القيادة وإدارة شؤون الحكم، ليُنهوا هذه المرحلة الكالحة السواد في تاريخ بلادهم.

لا شك في أن سيف الإسلام رمزٌ سياسيّ فذٌّ يستند إلى تاريخ مشرّف، كما إن عودته لا تعني، مثلما تتوهّم أدوات الارتزاق السياسي، بدايةَ صراعٍ جديد يشنُّه وريثٌ يسعى إلى استرداد مجد مفقود، فعودته إنما هي المحاولة الأخيرة أمام الليبيين ليس لإنقاذ بلادهم واستقرارها فقط، بل لاسترداد سيادتها المجروحة، وضمان مستقبلها بين دول العالم وأممه.

إن سيف الإسلام يحظى، كما يعرف الجميع، بثقة ودعم المدن والقرى والأرباض والقبائل الليبية على اختلافها، وهو الشخصية السياسية الوحيدة القادرة على إدراك وترجيح التوازنات الاجتماعية الحقيقيّة في ليبيا دون إخلال أو إقصاء للمكونات الاجتماعية، بل من خلال تفعيل منظومة متكاملة يكون فيها للبعد الاجتماعي حضوره الإيجابي القوي بعيدًا عن الصراعات المناطقية والقبلية والأيديولوجية. الليبيون جميعًا يدركون هذه الحقيقة، كما يدركون أن لا بديل عنها في الوقت الحاضر أبدًا.

فما الذي يترتّب عن عودة سيف الإسلام القذافي إلى واجهة المشهد السياسي في ليبيا؟

إن الإجابةَ تلقائيّةٌ لا يكاد يشكّك فيها اثنان عاقلان.

أولًا وقبل كل اعتبار آخر سوف نشهد عودة كيان الدولة إلى وضعه الطبيعي، سوف نرى أوّل محاولة جادّة منذ سنوات لترسيخ النظام السياسيّ الشرعي الذي لا تعوزه معطيات العقد الاجتماعي الشامل المصادق عليه من قبل جميع المواطنين. ولنتمعّن قليلًا في ما تمثّله هذه الخطوة بالنسبة لليبيين جميعًا، إن أول ما يترتّب عليها هو الإيقاف الفوري للعبث بقوتهم وتشتيت ثرواتهم، وقطع دابر الفساد واستنزاف موارد الدولة. ذلك هو الأساس الذي يمكن لليبيين أن يبدؤوا به إعادة بناء بلادهم على قواعد سليمة ثابتة.

إن إحلال حكومة وطنية، كالتي سيختارها الليبيون في شخص سيف الإسلام القذافي، دون وصاية خارجية، يعني استتباب الأمن الذي افتقدناه طوال هذه السنوات، ويعني بالضرورة عودة مؤسسات الدولة إلى العمل بانتظام. لا يمكن لدولة أن تستقر طالما تعطل فيها عمل المؤسسات السيادية، ومَن يقرأ مشروع سيف الإسلام ويطّلعَ على ما كتبه في هذا الخصوص يدرك ذلك جيّدا.

إذّاك، وإذّاك فقط، سوف يكون بإمكان الليبيين أن يتحدثوا عن توفير مناخ صحّي يستطيعون فيه الاتفاق بهدوء على مسألة تثبيت آليات واضحة للعمل السياسي الليبرالي، وانتقال السلطة، وتداولها سلميًّا، وهو المشروع الذي لطالما أشار إليه سيف الإسلام أثناء قيادته لمشروع ليبيا الغد، ذلك المشروع الريادي الذي تم إجهاضه، والذي مازلنا جميعًا نرى آثاره متأسّفين.

قد يختلف الليبيون في ما بينهم لهذا السبب أو ذاك، ولكن عندما يتعلّق الأمر بليبيا فإنهم يتركون خلافاتهم جانبًا، ويتوحّدون جميعًا، متضامنين ملتفين حول صوت المنقذ الوحيد، صوت سيف الإسلام القذافي، للخروج من الانقسامات السياسية والتجاذبات الداخلية وحالة الفوضى المطلقة الحالية.. ذلك هو الطريق الوحيد الذي أمامنا لبث الاستقرار في بلادنا، وتحويلها إلى نموذج تنمويّ ناجح، مستقرّ اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا.

إن عودة سيف الإسلام، سوف تجبّ معها المشاريع والرهانات الخارجية التي تمكّنت بها الدول الأجنبية من التدخل في المشهد الليبي وبعثرة مكوّناته وتحويلها إلى مجرّد دمًى تتراقص على مسرح من مسارح الكوميديا السوداء. فالأطراف الإقليميّة والدولية، مثل فرنسا، إيطاليا، الولايات المتحدة، بريطانيا، قطر، تركيا، مصر، الإمارات، بل حتى تونس، سيكون أمامها أن تعود إلى الالتزام بقواعد التعامل وآدابه وأصوله الدبلوماسية والاقتصادية، وأن تعيد ترتيب أوراقها في ليبيا بدءًا من الصفر، وعليها في المقابل أن تنسى إلى الأبد “حروب الوكالة” التي جعلتها مشهدًا يوميًّا في ليبيا.

أخيرًا، ذلك هو الإطار العام الذي أستطيع من خلاله قراءة عودة الدكتور سيف الإسلام ليكون محور المشهد السياسي في ليبيا، فهل يعود قريبًا؟… أترك هذا السؤال أمام القرّاء ليجيبوا عنه وهم يلتفتون في كل الاتجاهات باحثين عن حلّ جذري يُخرج بلادنا من أسر المعاناة والأرزاء التي تعيشها.

ولنا عودة.

شاهد أيضاً

14

النيابة العامة السعودية تعلن نتائج التحقيق في قضية خاشقجي

كشف وكيل النيابة العامة السعودي شلعان الشلعان اليوم الخميس خلال مؤتمر صحفي عن نتائج التحقيق …

أضف تعليقاً